Yusuf Al Khal

يوسف الخال، على هامش كليله ودمنه، 1. منطق الحيوان، دار النهار للنشر، 1987

أرانب إم سعيد

كانت إم سعيد تحِبّ الأرانب، ومن كِترة ما كانت تحِبهن اشترت أرنب وأرنبه وسكَّنتهن عِندها بالقَبو، وصارت تِطعِمهن وتِسقيهن وتدير بالها عليهن. بعِد كَم شهر ابتدوا يخلفوا أرانب،وهالأرانب يخلفوا أرانب حتى ما عاد يساعهن القبو. وكانت إم سعيد تِدبَح وتاكل بهالأرانب، لكن شو بتِقدِر تاكل تتاكل؟

ويوم من الإيام خَطرِتلها فِكرَه. قلت: " ليش ما بوَزِّع شوَيِّة أرانب على أهالي هالضَّيعَه وبِرتاح مِنهن؟".

وهَيك عِملِت. كانت كِل يوم تِحمِل قّد ما فيها من الأرانب، وتدور من بيت لَبيت وتوَزِّعهن. وكانوا أهالي الضَّيعَه يِشِكروها وِيقِلّولها : يكتر خيرِك يا إم سعيد".

لكن ما مضى وقت طويل حتى امتَلِت الضَّيعَه أرانب، وصاروا هالأرانب ينِطّوا عالسّطوح ويدخلوا البساتين وياكلوا كِلّ عِرق أَخضر. حتى إنهن دَخلوا البيوت كمان وأَخذوا يطَفشوا أصحابها منها. وهيدا، طبعاً، زَعج الأهالي كتير وخلاَّهن يتذمروا ويِصرخوا: " دخيلكن، مِين بِيخَلّصنا من هالأرانب؟".

ولمَّا ما حدا إجا يخَلِّصهن تَركوا الضَّيعَه للأرانب وطِلعوا على راس الجبل وعَمَّروا ضَيعه جديده، على أَمل يِستَرجِعوا ضّيعِتهن القديمه.

أبو الدّنب الأحمر

في كتير عصافير بهالغابِه، لكن عَصفور واحد اختلف عن كل لِعصافير. كان كلّه أبيض مِتل التَّلج، ما عدا دَنَبه اللِّي كان أحمر مِتل الدَّم. لِهَيك سمّوه أبو الدَّنب الأحمر.

وفِرح أَبو الدَّنب الأحمر بهالإسم، ولأَنه فِرح انحَسَدوا مِنه بَقِيَّة لِعصافير وقالوا: " لَيش حتى يكون هالعِصفور الصغير فِرحان ومَبسوط أكتر مِنَّا؟ شو رأيكن نِبعَتله صِيَّاد ماهر يتصَيده، يا حَي يا مَيِّت، حتى نتخَلَّص مِنه؟ ".
وهَيك صار. بَعتوله صِياد وقرَّروا يِتخبّوا ورا الشَّجر، ويِتفَرجوا من بعيد كِيف رَح يِمسِك أبو الدَّنب الأحمر، أو كيف رَحِ يقَوصه ويِرميه عن الشَّجره.

بعد كم يوم إجا الصياد لابس جَزمِه سمِيكِه، ومغَطَّى راسه بطاسِة نحاس ، وماسك بإِيدَيه باروده طويله، وابتدا يفَتِّش من شَجَره لَشجرَه عالعِصفور أبو الدَّنب الأحمر. ولمَّا شافه واقف عم يزقزِق على راس شَجرِة سنديان، رَفَع البارودِه ونَدَه:

" يا أبو الدَّنب الأحمر، أنا جايي صَيدَك يا حَي يا مَيِّت. هَيك طَلَبوا مني كلّ العصافير. وهلَّق، يا بقَوصَك وبِجبل التّراب بدَمَّك، يا بتِنزِل عن هالسنديانِه وبتِجي معي حتى إِحبسَك بالقَفص عندي. لكني بوعدَك إني بفلتَك تروح وتِجي وَين ما بترِيد، بَعدما قِصِّلَّك دَنَبك الأحمر. معك دقيقه واحده تتقَرَّر".

" قرَّرت"، قال أبو الدَّنب الأحمر للصياد. " ما في لزوم فكِّر بالموضوع لَحظه واحده. الموت ولا الحَبس عندك أو عند غيرك. وإن كنت شاطر قَوِّصني".

وطار أبو الدَّنب الأحمر من شجره لَشَجره، والصيِّاد لاحقه بِجزِمته السميكِه، وبارودته الطَّويله. لكنه ما قِدِر عليه، لأن هادَّنب الأحمر ما انخَلَق فيه بالصدفه.

يوسف الخال، الولادة التانية، دار مجلة شعر، 1981
لامرىء القيس

أنا أمير زمان الشعر
والملك المخلوع عن كتف قبيله
ما دام في وقت بتبقى الايام محنيِّه
بين كلمه مدبوحه من الوريد للوريد
وغيمه ماطره بعد ما يكتمل البدر.
لأَيمتى الضحيِّه نايمه ع رمل السنين
وما بتظهر كل يوم الف نجمة صبح.

في وَشم عاليد رغم ميلاد الربيع
والحجر يابس تحت مجرى النهر.
كل شي باهت عند زهره طالعه
من جمجمه نبتت عليها السنين.
شو النفع من قطع دنب التنِّين
او بلسمة جرح في جسد ميِّت.

عشت باليقظه احلام ليلة صيف
وعملت عرشي من تمر وعسل برِّي
وخلّدته بقصيده من وحي عمر مرصود
عنده لكل شي وقت متل عقرب الساعه
واستعرت قفزات غزال شارد
تتكون جسر بين السما وبيني
حتى الملايكه وعَ راسهم جبريل
يعجنوا كلماتهم خبز يومي.

عشت بعد موتي بقبر مسحور
كأنه قصر كسرى أنوشروان
واليوم عرفت شو معنى الجحيم
بكوميديا دانتي الالهيِّه.
رح ارجع عيش بأبيات شعر دارج
واتغزل بفاطمه لآخر الدهر
تيصير للعرب ديوان كلّه برق
يعلقوا قصايده ع حجر أسود جديد
بعصر عاش فيه عزرا باوند.

من ديوان طرفه بن العبد

I
الوعد مكتوب ع وجه طفل
مل النبوّه بالكتب المقدسه
لكن النبوّه بتفسِّرها نبوِّه
تتبقى عايمه ع وجه الكلام
ويغيب كل أثر للمفاجأَه.

ما في لزوم لأَكتر من عين واحده
تتقرا المزمور الرابع بعد الالف
والفصل الناقص من نشيد الأناشيد.

II
بآخر يوم
مندفن الميت بعد ما تاكله الايام
في جوع والرحم ما بيرحم الرحم
وفي عطش والنبع ما بيعرف النبع
من هيك الله تعب من نبش القبور
متل ما تعب هاملت من كترة الفضايح.
انا وانت ما منعرف وين السوس
بيدخل بكعب شجره
لكن الفلاّح اللي ما بيضرب بالرمل
تعوَّد يعرفه من يوم قايين
متل ما تعود عالفزع الواقف.

لو كنا انا وانت وحدنا بهالكون
ما كان عندنا أمل ندخل الجنِّه

III
من زمان منجبل الطين بالطين
ومنحلم احلام مضروبه ع آله كاتبه
النجمه وقعت ع حجر أزرق
والوقت فاتنا من يوم ما انكسر الكلمه
وهرب الله من عباية الحلاج.

في امل حتى لسكان القبور
لما بتشبع الغربان من لحم آخر جمجمه
ما رح ننتظر كانون ليجبلنا التلج
ع جناح عاصفه جنكيزخانيِّه
رح نختصر جنة عدن بباقة ورد
وسفينة نوح بسمكه دهبيِّه.

الظل كان دايما يتبع الجسم
تصارت الشمس تزعج عين الطفل

يوسف الخال، يوميات كلب، دار النهار للنشر1987

اليوم الاول:
اليوم خمنت حالي عصفور بيزقزق وبيطير من شجره لَشجره. بالأول فرحت كتير، لكن بعدين شعرت بالغِربه . ما في شي بيآوي الواحد مثل جلده.

اليوم التاني:
في كلاب بتحب تكون مملوكه وتسكن بالبيوت. هيك كلاب ما عندها كرامه. أنا بفضل كون متل نسمة ريح، بنتقل من زقاق لَزقاق، ومن كومة زباله لََكومة زباله تلاقي عضمِه.
صحيح مرات بتعذب وبجوع. لكن العذاب فيه لذِّه، والجوع بيخليك تفكر أكتر من الشَّبَع.
أو هيك بيقولوا.
الكلب لمدلَّل متل المرا لِمدلّلِه، بتشمر عن سيقانها وبتمدّ راسها لبَرَّا.
والحياة جوره بالأرض ، كل ما حفرتها بتصير عميقه. وفيك كمان تقول إنها طريق ما إله نهايه، واِللي بيوصل لآخِرها ما بيعود يِقدر يِرجع لأولها.

اليوم التالت:
في عيون بتعلا فوق لِحواجب. هيك عيون بتشوف أقلّ مِن لِعيون اللي بتبقى تحت.
صحيح أنا كلب. لكني بفهم بأمور الدِّني أكتر من أي فيلسوف. ما عم قول هالكلام عن كنفشه. هيدي حقيقه، لأن الفيلسوف ما بيشوف إلاّ رووس الجبال، بينما الكلب بيشوف السفوح وِالوديان وِالانهار، وهيدا الأهم.
ولِهيك بيصير الكلب متل الناسك، بيرضى من الحياة بكِسرة خبز يابسه، وساعات لا متناهيه من الصمت.

اليوم السابع:
السما مطبقه بالغيوم، كإنها حامله البحر على ضهرها.
صحيح الشتويه بارده وكئيبه، لكن الارض كلّها فرح بانتظار ربيع تاني. ما بعرف أي فصل بحِب من فصول السِنه، لكني بفضّل نقطة مَي على كلّ الرمل بالصحرا.
اليوم الرابع عشر:
اللي بيفكر كتير بيعمل قليل. هيك تعلّمت بالخبره.
وشو هي الأفكار غير أحلام خصاها الواقع. لأنّه إذا كان واحد وواحد ما بيساووا إلاّ اتنين، كيف ما بتدور الحياة على نفسها متل حجر الطاحون؟ لكن الأحلام، مع الأسف، قليله. وهيك العَواصف اللي عندما بتهبّ لا بِدّ ما تزحزح شي من مكانه.

اليوم الثامن عشر:
صرت تعبان. هالحياة صارت ضَيقَه عليّي.
عشر سنين وأنا بروح وبجي. وين؟ بمساحة طولها وعرضها رَميِة حَجَر. بَدكن الصحيح؟ لولا السّما كانت الأرض جمجمه.