Articles

Art in the press

الدكتور فتحي الشقاقي أمين الشهداء، وشهيد الأمانة والأمة 1951-1995

موسوعة رجالات من بلاد العرب – الدكتور صالح زهر الدين

ليس من المصادفة أبدا ً أن نختار فتحي الشقاقي في ذكرى انطلاقة المقاومة "شمعة لا تنطفىء"، ليس لأنه كان من أعز الأصدقاء بل لأنه يمثل في تاريخنا النضالي "رمز انطلاقة، وانطلاقة رمز"... اذ لا يوجد هناك - باعتقادي - "قاموس" زاخر ب "مفردات الفعل الجهادي والاستشهادي" مثل "قاموس الشقاقي". ويا حبذا، لو يعتمد هذا "القاموس" مرجعا ً في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا الوطنية والقومية والاسلامية، لكي ينبغ طلابنا "علماء فقه" في الجهاد والاستشهاد - نظريا ً وعمليا ً- بشكل لم تشهد الأرض كلها لهم مثيلا ً... حيث أن أرضنا وقضيتنا بحاجة الى هذا النوع من "العلماء"، تماما ً كما هي سهول القمح بحاجة الى قطرات المطر، لينمو البذار على طريق موسم الحصاد...

ولد فتحي ابراهيم الشقاقي سنة 1951 في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة. ولد من أسرة فلسطينية فقيرة، كانت قد اقتلعت من منزلها الواقع في قرية "رزنوقة" بالقرب من يافا بفلسطين المحتلة عام 1948، بعد تأسيس الكيان الصهيوني على الشطر الأول من فلسطين.

درس فتحي في مدرسة بئر السبع الثانوية للبنين بمدينة رفح، وكان الأول دائما ً بين رفاقه. ثم درس العلوم والرياضيات في جامعة بيرزيت، وعمل مدرسا ً في المدرسة النظامية في مدرسة الأيتام بالقدس. ثم سافر الى مصر لدراسة الطب في جامعة الزقازيق، حيث عاد بعدها الى فلسطين طبيبا ً في القدس أيضا ً. وقد امتاز فعلا ً بانسانيته كطبيب يعالج أبناء مخيم رفح - بلا مقابل - في عيادته المتواضعة هناك... كان طبيب شعبه وآلام شعبه وأوجاعه... لم يوصف لشعبه يوما ً أي نوع من "عقاقير المصنع الغربي وصيدلياته"، لأنها لا تشفي نفوسنا وأمراضنا، بل تزيدها علة ومرضا ً، خصوصا ً أن وباء النفوس وجراح الأمة هي من فعل تلك العقاقير ومصنعها. لذلك كانت عقاقيره ذات صبغة وطنية ونكهة قومية واسلامية؛ وقلما تعرف عليه "مريض" الا وشفي من أوجاعه. لقد كان بلسما ً شافيا ً للعقل والنفس والجسم معا ً.

كان فتحي الشقاقي كثير القراءة - حتى أصبح من المدمنين عليها - وفقا ً لما كان يقول:" لا تترك القراءة الا لتفعل ما هو هام وضروري... ولا تترك ما هو هام وضروري الا لتقرأ". وعلى هذا الأساس قرأ لكبار الكتاب والشعراء العرب والأجانب، كنجيب محفوظ، وتولستوي، وتشيكوف، وبدر شاكر السياب، وسميح القاسم، ومحمود درويش، ونزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وصافيناز كاظم والشيخ امام وأحمد فؤاد نجم وغيرهم... كما كتب في عدد من الصحف والمجلات كمجلة" المختار الاسلامي"، و"الأمة"، و"الاسلام وفلسطين". وأصدر مجلة "الطليعة الاسلامية" التي أقلقت العدو الصهيوني فسجن على أثرها لمدة أحد عشر شهرا ً، ثم سجن أربع سنوات... معتبرا ً أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الاسلامية، وأن الصراع مع اليهود يجب أن توجه اليه كل الطاقات، لأن الصهاينة هم "نازيو العصر". واضافة الى ذلك، فانه تأثر كثيرا ً بكتاب سيد قطب "معالم في الطريقط" واتخذه دليل عمل له في نشاطه السياسي والنضالي، الذي انخرط فيه منذ وقت مبكر. وأثناء وجوده في مصر، ألف كتابا ً بعنوان "الخميني: الحل الاسلامي البديل"، وقعه باسم "فتحي عبد العزيز" وطبع منه عشرات الآلاف من النسخ، وقد شكل ما يشبه "الهزة" في مصر، مما دفع بجهاز أمن الدولة الى مصادرته واعتقال صاحبه فتحي الشقاقي عام 1979.

في هذا الاطار، يتكلم فتحي عن البداية في عمله السياسي فيقول:"أتذكر أنها تعود الى عام 1966، عندما أنشأت، وأنا لم أتجاوز بعد الخمسة عشرعاما ً، تنظيما ً شبابيا ً صغيرا ً متأثرا ً بتجربة عبد الناصر ومجاهدة اليهود في فلسطين. وبعد هزيمة 1967 أعطاني أحد الرفاق في الدراسة كتاب (معالم في الطريق) للشيخ سيد قطب... فكان نقطة الانقلاب الكبرى والبداية الحقيقية لتحول. بعدها التقيت بالشيخ (أحمد ياسين) وزارني في منزلي وتأثر به رفاقي كثيرا ً، فلقد كان ولا يزال ذكيا ً وصلبا ً. بعد ذلك تواصل اهتمامي بالعمل السياسي ممثلا ً في اللقاءات بالشباب والقراءة المكثفة، وخاصة عندما التحقت بجامعة بيرزيت كدارس للعلوم والرياضيات، ثم بجامعة الزقازيق في مصر كدارس للطب، وبها أنشأت التنظيم الحقيقي للجهاد الاسلامي الفلسطيني، وكان معنا أكثر من (60) كادرا ً منهم (رمضان عبد الله) الذي كان يدرس الاقتصاد في جامعة الزقازيق - كلية التجارة. وتواصل العمل الى أن أنشأنا بهذه (النواة) تنظيم الجهاد داخل الأرض المحتلة أوائل الثمانينات، وبدأ الفعل المسلح بعد منتصف الثمانينات ولا يزال... ويضيف الشقاقي، في هذا المجال، ردا على سؤال حول "حركة الجهاد الاسلامي"، وهل صارت رقما ً حقيقيا ً في فلسطين؟ فيقول: "ان حركة الجهاد تمتاز بالتماسك التنظيمي دون سواها من التنظيمات، فضلا ً عن الاستعداد الدائم للاستشهاد من أجل فلسطين..."، وكل ذلك وفق ايمانه وقناعته ب "وحدة الشعب كل الشعب مع وطن الشعب، كل وطنه، لا ننازع أحدا ً منصبا ً أو كرسيا ً أو مصلحة، ننازعهم حقنا في استمرار جهادنا في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، جهادنا الذي لا توقفه السيارات المفخخة ولا كواتم الصوت ولا طغيان الأجهزة واعتقالات الفجر عند أيام الفداء".

والجدير بالذكر، أن فتحي الشقاقي اعتقل في فلسطين أكثر من مرة عام 1983 و1986. وكان له دور كبير في الثورة الشعبية في فلسطين عام 1987 (التي غلب عليها طابع الانتفاضة). لذلك أبعدته سلطات الاحتلال الصهيوني في شهر اب/أغسطس سنة 1988 الى لبنان، لتقلص من حجم تأثيره وفعاليته في هذه الثورة المباركة، في نقطة بيكارها المركزية، وتحجم نشاط حركته من ناحية ثانية بعد ابعاد أمينها العام عن دائرة الفعل والتوجيه المباشر لجهادها. ومنذ ذلك التاريخ، تنقل في بعض عواصم الدول العربية والاسلامية لمواصلة طريق الجهاد ضد العدو الصهيوني.

تزوج فتحي الشقاقي من فتحية الخياط، وهي فتاة مقدسية اقترنت به، واختارت طريقه الصعب في مواجهة الموت، بكل ارادتها، فأنجب منها ثلاثة أطفال: خولة وابراهيم وأسامة.

اغتالته أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية (الموساد) في جزيرة مالطا، ظهر يوم الخميس في 26 تشرين الأول / أكتوبر 1995، وهو في طريق عودته من ليبيا الى دمشق، بعد جهود قام بها لدى القيادة الليبية بخصوص الأوضاع المأساوية للفلسطينيين، على الحدود المصرية - الليبية.

تميز فتحي الشقاقي، فعلا ً، بحس انساني وشفافية عالية، وكما يذكر أخوه د. عبد العزيز الشقاقي، أن شقيقه فتحي بكى، بمرارة، مرتين في حياته: المرة الأولى يوم وفاة والدته، والمرة الثانية يوم هزيمة حزيران 1967.ز. اذ أنه كان يحب جمال عبد الناصر حبا ً عظيما ً، لا يعادله الا حبه لفلسطين والقدس...

ورغم ذلك، وخلافا ً لأبناء جيله، لم يهضم الشقاقي هزيمة 1967 كونها هزيمة للمجاهدين، بل كونها منطلقا ً للجهاد... وخصوصا ً أنه كان يعتقد بأن كل ما نادت به ثورة يوليو كانت هي الحاضنة الاجتماعية لوعاء الاسلام الأكبر؛ وأن ما نفذته ثورة يوليو بصيغتها الناصرية خاصة في المجال الاجتماعي، لا يمكن اغفاله... وبمهارة فائقة حافظ فتحي الشقاقي على توافق نسبي كبير بين ثوابت الأيديولوجيا ومتغيرات السياسة... فجعل القوة الضاربة من حركته في الأرض المحتلة...

ولد فتحي الشقاقي من رحم فلسطين النكبة والمأساة، لأنه عندما فتح عينيه الصغيرتين فيها سنة 1951 كانت مجزأة ومحتلة، وكانت سماؤها ملبدة بغيوم الهزيمة المرة (1948)؛ يجثم الاحتلال على أرض المقدسات بكل ثقله؛ يسكن أهلها خياما ً ممزقة ومهترئة تحت رحمة المنظمات التي أطلق عليها اسم "انسانية". ومن هنا، وجد فتحي الشقاقي نفسه ملزما ً أن يكون من أبر أبناء فلسطين، فدرس في مدارسها وتخرج منها وفيا ً للأرض والشعب والأمة والتاريخ والقضية، وأسس فيها مدرسة جهادية من نمط متميز من أجل تحريرها... فرع من مدرسة عز الدين القسام وتلاميذه الأوفياء، ومكمل لها... ولا غرو في ذلك، وهو الذي كان يوقع مقالاته وكتاباته باسم "عز الدين الفارس"... وبالفعل، عز الدين به فارسا ً من فرسان القسام ونهجه... ولقدأثبت حقا ً أنه جزء من موروث كفاح شعب مناضل وأمة مجيدة.. واذا كان لسيد قطب كتابه "معالم في الطريق"، فحركة الجهاد لها معالمها أيضا ً، وأصبح الشقاقي - بحق - "المعلم والمعلم" الأبرز في طريقها، بل "بوصلتها" الراشدة الى شاطىء... النصر أو الاستشهاد. وكان دمه هو "المهر" الحقيقي لأصالة التزامه وصدقه مع نفسه، ومع الآخرين والقضية.

فضلا ً عن ذلك، كان الابن الوفي للأمة، والمخلص لوحدتها وتوحدها، لذلك كان يردد دائما ً:"ان على المسلم العربي أل يعيش من أجل وطنه (القطري) فقط... على المصري ألا يعيش لمصر، والفلسطيني لفلسطين، والأردني للأردن، والجزائري للجزائر، وعلى هؤلاء جميعا ً أن يكونوا لأجل قضية الأمة الكبرى ومستقبل وجودها"...

وبنوع من التفصيل الدقيق، يقول الشقاقي عن الوحدة ما يلي: "ان الوحدة على فلسطين هي وحدة الوعي بأن بقاء الكيان الصهيوني يعني افشال كل مشاريع النهضة، وأن الوحدة حول فلسطين هي وحدة التاريخ مع القرآن، وهي اعادة صياغة للجغرافيا السياسية باتجاه الأقصى الشريف، وهي وحدة الملايين المتقدمة نحو قدرها... هي وحدة مشروع النهضة كله... وفي القدس جوهر ومركز الصراع الكوني اليوم تتحدد ملامح المعركة الفاصلة... ان سرا ً ما، يمكن تقصيه في القرآن والتاريخ والواقع، يجعل من بيت المقدس والجهاد في أكنافه مركزا ً للمشروع الاستعماري متجسدا ً أيضا ً وموحدا ً في فلسطين عبر الحالة الاسرائيلية...".

وفي هذا الاطار، كتب الأمين العام المساعد لجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى يقول انه: "كان للمجاهد فتحي الشقاقي دور كبير في احداث النقلة النوعية من الاسلام السياسي المثقل بالصراعات الأيديولوجية الى الاسلام المكافح، الحامل للمسؤولية الوطنية، وفلسطين هي الجامع بين الجميع، وهنا يتميز بفضيلة الريادة... من رائد الفكرة الأيديولوجيا فلسطين... الى مجسد الفكرة بحركة جهادية اتسمت روحها بالحضور الوطني الفاعل في مقاومة العدو الحقيقي، والذي قدم الاسلام السياسي على نحو يقترب من العلاقة الوطنية الفلسطينية الرحبة من أجل فلسطين".(انه التحول النوعي والانتقال من مرحلة الاسلام الراكد الى انبعاث حركية الفتح الاسلامي في هذا العصر). أليس هو الذي كلن يؤكد دائما ً بالقول: "مات أحوجنا الى جمع العقول لاستخراج السياسة الصحيحة، وقبل ذلك، ما أحوجنا الى التجاور وكسر الحواجز القديمة من أجل صيغة توظيف السياسة الصحيحة بأداء جيد يتناسب والمسؤولية". كان ذلك بعد خطوة القيادة الرسمية لمنظمة التحرير في توقيع الاتفاق مع الصهاينة في أوسلو.

لقد كتب على فتحي الشقاقي أن يخلق في قوم يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة، فانتمى اليهم بعزة نفس وكبر عقل، وتفاخر بهم... كان يعرف مواسم ربه، بل كان من الذين وصفهم سفير كسرى لكسرى: "رأيت قوما ً يحبون الموت كما تحبون الحياة؛ رأيت قوما ً اذا كان الليل كانوا رهبانا ً، واذا كان النهار كانوا فرسانا ً". بل ان فتحي الشقاقي كان راهبا ً وفارسا ً ليل نهار: القرآن في جيبه، وآياته في عقله وقلبه، وروح القرآن في جهاده وفي تعامله مع الآخرين - أصدقاء كانوا أم أعداء -، ويبرق الحق فوق رأسه يخفق باستمرار، فتنتعش بخفقاته رئتاه وتشحنا بالايمان والعزيمة، فيصبح من الصوان أصلب (بل أمام صلابته ينحني الصوان احتراما ً)، وفي نفس الوقت، يصبح أكثر براءة من الأطفال (بل تخجل البراءة من براءته)... انه أحد الأطهار الذي يعرف معنى الحياة والكرامة كما يعرف نفسه وكفه... كان بمفرده قفير نحل عامل دؤوب في سبيل "العسل والشهد"، رغم ايمانه بالعمل الجماعي التعاوني الوحدوي، ولهذا، فقد أتعب الصهاينة بقدر ما أتعبوه...

كان واحدا ً من "القطع النادرة" في أواخر هذا العصر، واحدا ً من شعب معطاء، من صفوة الصفوة، وخيرة الأخيار، ونخبة النخبة من بنيه القيادين القلائل، الذي منح لهم التاريخ قلبه وصدره للاستراحة فيهما وأخذ المكان، قبل الانضمام الى الرفيق الأعلى في جنات الخلد، موضع الاستراحة الحقيقي الذي لا يجاريه موقع آخر؛ اذ أن فتحي الشقاقي كان قد حسم خياره الجهادي ومشى للقيام بالواجب مؤمنا ً بالله ورسوله؛ وبالحق والشعب، غير خائف من الموت، لأنه كان يقول: "لا أهاب الموت لأنني وطنت نفسي عليه"... كان لا يخاف الا الله، ولا يخيف الا أعداء الله والانسان؛ كان يرتعب فقط أمام عظمة الخالق، في الوقت الذي كان يرعب فيه أعداء الخالق في كل عصر ومصر، موقنا ً أن رأسه في رأس قائمة المطلوبين لدى اليهود الصهاينة، لأنهم قتلة الأنبياء، ولن يتورعوا مطلقا ً عن قتل أبناء الأنبياء والرسل، وقتل كل ما يمت الى الانسان والانسانية بصلة... ذلك لأن بعد هؤلاء القتلة عن الجنة، هو ذاته بعد جهنم عنها، وهم أبناء جهنم.. وظنوا أنهم باغتياله يبعدونه عن ساحة الجهاد العربية والاسلامية، لكنهم سرعان ما أدركوا خيبتهم، لأنهم يجدونه دائما ً عملاقا ً في كل عملية استشهادية، وفي كل ساحة مجد وجهاد؛ ذلك أن قتل الأبطال، لا يعني قتل النضال... وقد لمسوا فعلا ً أن جسده فقط هو الذي سقط وهوى، لكن روحه سمت الى فوق، الى الأعلى، ونفخت نفسا ً جديدا ً في روح المقاومة، فشكلت شحنة دافعة لها - بلون النار - نحو القدس وكل فلسطين... وأمام هذا الواقع اختفت كل الخطوط الحمراء أمام حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، لأن دم الشقاقي محا كل هذه الخطوط وطغى عليها، ولم يعد هناك من لون أحمر - في عيون المجاهدين - سوى دم فتحي الشقاقي فقط، الذي اختلط بدم السيد عباس الموسوي، وشكلا ًخطا ً واحدا ً باتجاه فلسطين، ومصبه القدس الشريف... كيف لا، وقد تزامن استشهاده مع تصاعد عملية تهويد القدس، فقضى في يومها ومعها، كما كان قاتلها هو نفسه قاتلة...

ولكن... اذا كان اليهود الصهاينة قد احترفوا القتل والاغتيال، فان مجاهدينا احترفوا الاستشهاد... وبين هذين "الاحترافين" تكمن قضية الوجود والكرامة، تماما ً كما يكمن الماضي والمستقبل والمصير.ز. مع العلم أن فتحي الشقاقي كان يعلم علم اليقين أن الطريق الذي سلكه لم يكن محفوفا ً بشيء، الا... بالموت... وبالموت فقط... ولم يتراجع وهو يردد: "لقد عشت أكثر مما كنت أتوقع أن أعيش"... انه الايمان الحقيقي بالجهاد الحق... وقد برهن الجهاديون في مختلف الفصائل الاسلامية أنهم يحبون الموت أكثر من الحياة، ويلبون نداء الشهداء أكثر من دعوات الأحياء، ويتحركون يغريزة الثأر والانتقام ضعف ما تحركهم حسابات السياسة وقياسات العقل البارد... انهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى ومنهم من يرى الله مجسدا ً في الوطن... ومنهم من يبحث عن الجنة في رحاب الحرية، ومنهم من يبحث عن الحرية في رحاب الجنة... ومنهم من يسعى للنصر من خلال الشهادة، ومنهم من يسعى للشهادة باعتبارها أكبر انتصار... وحقا ً، ان حركة جهادية يستشهد أمينها العام لن تنهزم ولن تتراجع ولن تنكسرز.

ان الأمة العربية – والاسلامية - تعيش حالة "ردة" لم تشهدها في تاريخها، بل تخجل منها "حركة الردة" بعد انتقال النبي الكريم محمد (صلعم) الى الرفيق الأعلى؛ واذا قدر للردة الأولى قائد من طراز خالد بن الوليد، فأين الخالد الآخر الذي أخذ على عاتقه رد الردة الى الخط الصحيح، لتعيد للعرب والاسلام العزة والكرامة والاباء، وتقضي على جاهلية العقول والنفوس والمآرب؟...

لذلك وجد فتحي الشقاقي في الثورة الشعبية في فلسطين، عند اندلاع شرارتها في كانون الأول/ديسمبر 1987، بريق أمل، وبصيص نور في دهليز الليل العربي الأسود... وفي معرض مقارنتها مع الثورات السابقة، قال الشقاقي "انها تشكل نسيجا ً خاصا ً بها يجعلها لا تشبه الانفسها". وأضاف: "انها تتميز في طبيعة كونها مركز الصراع الكوني بين تمام الحق وبين تمام الباطل، بين الاسلام ومشروعه الناهض القائم على الحق والكرامة والسلام، وبين المشروع الغربي الصهيوني القائم على الصراع والتفسيخ والعدوان... ولأنها تتميز بشموليتها أيضا ً، فانها أعادت القضية الفلسطينية الى مركز الأحداث في العالم وجعلتها من جديد القضية المركزية للأمة العربية الاسلامية". (جاء ذلك في محاضرة ألقاها بمناسبة ذكرى الثورة الشعبية في مركز ناجي العلي الثقافي في بيروت عام 1989).

كان فتحي الشقاقي يحمل بيت المقدس في قلبه، وفي داخله حب شعبه، وكان ذا صدر رحب أوسع من مساحة فلسطين ذاتها؛ وكان ذا ايمان عميق، أعمق من بركان فيزوف ومن كل براكين الأرض... كما كان ذا معنويات عالية، أعلى من جبال هملايا... يكفيه فخرا ً أنه رحل عملاقا ً في عصر مليء بالأقزام، ورحل مقاتلا ً مؤمنا ً بالله وبالقضية، في عصر يتقاتل فيه المتقاتلون على دفن القضية وهي حية، في تابوت أميركي ملفوف بالعلم اليهودي ونجمته السداسية...

يكفيه فخرا ً أنه بدأ جهاده مبكرا ً ورحل مبكرا ً (مع أنه قال بأنه عاش أكثر مما توقع)، بعد أن أيقن أن "رصيده" في "بنك الجهاد" لا تهزه مليارات الأثرياء المستلقين على فراش الحرير الأميركي، والملتحفين بغطاء منقوش بنجمات داوود، وهم سكارى على أنغام أوركسترا الهزائم والاستسلام والخنوع...

هذا، واذا حجب نور الشمس بعضا ً من الوقت، فلا يعني ذلك أن الشمس الى مغيب للأبد؛ فنورها يعود بقوة يسطع، وتأثيره يزداد - فآخر الليل نهار - فكيف اذا كانت الشمس، شمس فتحي الشقاقي؟ فنورها مخزون في القلب والعقل والشرايين، وفي كل الحنايا، أكبر من كل مخزون النفط العالمي مجتمعا ً، وميزته أنه لا ينضب، ولا يمكن أن ينضب... واذا كان للنفط آبار تجف، فالاستشهاد له آباره التي تضخ باستمرار، ولا تعرف النضوب، طالما هناك احتلال وقهر... انه مخزون الدم الهادر والمتفجر في وجه الأعداء، والمفجر لكل مشاريعهم ومخططاتهم ومؤسساتهم، لأنه يستمد من القرآن قوة، ومن الحق عزيمة، ويحولها الى حجارة في يد أطفال الحجارة، والى بندقية في يد المقاومين تتنفس من رئة الجهاد، وفي سبيلها، الهواء النقي النظيف، الخالي من التلوث - على أنواعه - تظللها راية الجهاد الخفاقة بالحق والكرامة...

فتح فتحي الشقاقي قلبه لشعبه وأمته، فأحبه الشعب، وسرى حبه في الشرايين والأوردة كما يسري الدم ليوهب الحياة. لكنه فتح صدور العدو – بالمقابل - شقا ً، بعد أن اثقل هذا الصدر بكابوس مخيف اسمه: "فتحي الشقاقي"...وبين هذين "الفتحين"، كان فتحي هو الحاضر على الدوام، وكأنه البند الدائم في كل جداول الأعمال ومحاضر الجلسات... لذلك أصبح "شطبه" من الوجود "ضرورة" بل "أكثر من ضرورة" يهوديا ً... وقد ظن القتلة أن اغتيالهم لمؤسس حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، وقائدها، سيقضي على الحركة، لكنهم فوجئوا بأن استشهاد المؤسس والقائد شحن حركته بكل طاقات الفعل والتأثير، وكثر عدد "المرشحين" للاستشهاد، وأصبح كل عضو فيها شحنة ناسفة، وعبوة تفجير، وقنبلة موقوتة، تنفجر في الوقت المناسب والمكان المناسب ضد العدو المناسب... وفشل الرهان ولم ينجح المراهنون... بل أكثر من ذلك، لقد تحول فتحي الشقاقي الى "بوصلة" اتجاهنا نحو حقنا المقدس في القدس، وفي كل فلسطين؛ في الوقت الذي تتجه فيه "بوصلة الاستسلام" دائما ً نحو... تل أبيب... كما سيبقى الشقاقي "دورة دموية" لجهادنا، و"عمودا ً فقريا ً" لمقاومتنا، لايماننا بأن الرصاصات الغادرة التي أردت فتحيـي، تعجز عن أن تنهي دورة الجهاد والمقاومة فينا، وفي شعبنا المقاوم... "فنهاية الحياة هي في نهاية القضية"، والقضايا الحقة المقدسة لا تنتهي، ولا تموت، خصوصا ً اذا كان لها تراث جهادي تستنير به الأجيال، كالتراث الذي خلفه فتحي الشقاقي...

والغرابة كل الغرابة، تكمن في عملية دفن القائد المجاهد فتحي الشقاقي. فمع أنه ابن فلسطين، فقد منع الصهاينة دفن جثمانه في الأرض المقدسة (لأنهم- على ما يبدو - يخافونه ميتا ً كما كانوا يخافونه وهو حي)، بينما يدفن الأنجاس والغاصبون - من أمثال اسحق رابين - في ثراها المقدس أملا في الطهر والقداسة... ولكن واأسفاه!! انه كأمل ابليس في الجنة...

اضافة لذلك، فقد رفضت معظم الدول العربية أن تستقبل جثمان القائد الشهيد، حتى أن معظم عواصمها خافت أن يمر جثمانه في أرضها أو في سمائها، فيثير حفيظة أسيادها القتلة.ز. لذلك لم يبق أمامه سوى دمشق العروبة التي استقبلته حيا ً وتستقبله شهيدا ً..ز كيف لا، وهي التي احتضنت رفات صلاح الدين الأيوبي، وعددا ً من الصحابة؟ واذا كان قد قدر للجنرال الفرنسي الاستعماري (غورو) أن يلكز بسيفه قبر البطل صلاح الدين، فان أحفاد هذا الجنرال من استعماريين وصهاينة، سيحملون الغصة معهم الى قبورهم لأنهم لن يقدروا أن يلكزوا قبر الشقاقي في دمشق الأسد... لأنه في عرين الأسد، وليس في حظيرة غنم وحملان... خاصة وأن دمشق احتضنت حركات الجهاد وهي ترفع راية السلام، لأن السلام والجهاد لا يتناقضان أبدا ً...

يضاف الى ذلك أن انسانا ً عاديا ً بسيطا ً يغتاله الموساد، فانه يأخذ مكانه على الفور في مصاف القديسين البررة، فكيف الحال بانسان قائد من طراز الدكتور فتحي الشقاقي؟ فانه - ولا شك - من الذين يقربه الأنبياء اليهم، والأولياء الصالحون... فمكانه محجوز في السماء ولا تستحقه الأرض؛ وكل توابيت الأرض لا تقدر على "تعليب" أفكاره ومبادئه لأنها ليست "سلعة من السلع"، أو بالأحرى، ليست "جيفة" من الجيف النتنة... انها بمثابة الورود العطرة، بل بمثابة سنابل القمح التي تنحني بتواضع نحو التراب لتموت حباتها فيه ريثما ينمو البذار من جديد... انها الحقيقة التي تقول: اني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر...

ان أهمية الشقاقي وعظمته، وفعالية حركته الجهادية، عبر عنها قادة العدو الصهيوني - من باب التشفي - اثر استشهاد فتحي الشقاقي، على لسان اسحق رابين نفسه، عندما قال: "ان القتلة قد نقصوا واحدا ً". وهذا ما دفع الشيخ عمر عبد الرحمن (مرشد تنظيم "الجماعة الاسلامية" المصرية) الى أن يسخر من اغتيال اسحق رابين نفسه بعد أيام قليلة من اغتيال الشقاقي، فقال الشيخ عبد الرحمن (المحكوم بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة الأميركية): "ان المسلمين لم يتمكنوا من قتل رابين، لأنه كان محاطا ً بتدابير أمنية" ... لكن عدالة السماء هيأت لقتله بيد يهودية.. وأضاف الشيخ عبد الرحمن قائلا ً بأنه "ليس هناك أية وجوه للمقارنة بين استشهاد الشقاقي ومصرع رابين، لأن الغبار على حذاء الشقاقي أغلى آلاف المرات من رابين...".

رغم ذلك، تبدو المفارقة مذهلة، حيث أن أميركا بكت اسحق رابين، وأوعزت الى الملوك والأمراء والرؤساء العرب أن يبكوا رابين، وأن يحضروا جنازته في القدس، لكي يعترفوا شرعيا ً باحتلاله لها، واعادة احتلاله لها وهو ميت؛ بينما تمنع أميركا، في المقابل، وبالتالي لا تسمح لعربي واحد أن يبكي فتحي الشقاقي... أية عدالة هي هذه ؟ وأية معادلة هي تلك؟ . هذا في الوقت الذي أثبت فيه مصرع رابين على يد "عمير" أن الصراع ليس بين معسكر السلام ومعسكر الحرب، بل بين معسكر (اسرائيل الكبرى) ومعسكر (اسرائيل العظمى)...

لقد سدد فتحي الشقاقي "فاتورة" ايمانه بالجهاد والرسالة، من دمه، بعيدا ً عن القدس وفلسطين... ومن خلال ذلك، يبدو، ك "رزنامة مصورة"، تجمع التاريخ والتراث والأصالة. في كل صفحة من صفحاتها يطل علينا الشقاقي، مرة بصورة الحسين بن علي، ومرة بصورة حمزة بن عبد المطلب، ومرة بصورة عز الدين القسام، ومرة بصورة عمر المختار، ومرة بصورة المهدي بن بركة، ومرة بصورة يوسف العظمة، ومرة بصورة فؤاد سليم، ومرة بصورة العربي بن مهيدي، ومرة بصورة أحمد عرابي، ومرة بصورة عبد الرحمن الكواكبي، ومرة بصورة عبد القادر الحسيني، ومرة بصورة عباس الموسوي... والصور المضيئة تتوالى ولا تنتهي، لأنها الكرامة العربية والاسلامية بأبهى صورها وعزتها... والموروث الكنز لمآثر الأمة أجمع... بل انها قاعدة الجهاد وأصول الاستشهاد...

لم يكتب فتحي الشقاقي، ولم يترك وصية، بالمعنى المتعارف عليه للوصية، لكن بعض كلماته التي كان يكتبها، أو يدلي بها للصحافة والاعلام، أو لرفاقه في حركات الجهاد، الوطنية والاسلامية، تشكل بحد ذاتها، ما يشبه الوصية الأخيرة له، حيث استطعنا أن ننتفي من بينها العبارات التالية:

"انني لا أجد بديلا ً عن الجهاد والكفاح المسلح لتحرير القدس والأقصى.. وكل فلسطين.. ان التخبط السياسي أمام الحركات الاسلامية بشأن المشاركة أو عدم المشاركة في اللعبة السياسية مع الكيان الصهيوني، أو مع ما يسمى بسلطة الحكم الذاتي... لا مستقبل له... ولا بد من الجهاد والكفاح حتى آخر العمر وحتى تحرير فلسطين من نجس الأعداء".

كذلك يقول: "على الحركات الاسلامية التي تنتج العنف المسلح أن تضع على رأس أولوياتها العدو الصهيوني.. وألا ترحمه في أي مكان.. وأن تطارده.. فهنا ستتجمع حولها كل القوى، ولن يعاديها الا الخائن... أو العميل".

ويضيف: "انني لا أخاف على حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، فقد بنينا صرحا ً متماسكا ً... فلسطين غايته والاستشهاد أداته ووسيلته... وشبابنا في الداخل قادرون على تغيير الواقع وخلق المستقبل الذي يليق بالشرفاء والمجاهدين وبالقدس الشريف"...

"انني أرى بعقلي وبروحي.. وطني وقد تحررز. ففلسطين ستعود الينا وسنعود اليها... ان فلسطين غالية وتستحق منا البذل... انها أرض الرسالات... انها وطني المقدس، انني أراه عائدا ً وأنا اليه عائد... مهما طال السفر والغربة"... لذلك "فالعنف بين أبناء فلسطين مرفوض"...

أما عن الشهداء، فانه قال في كلمة ألقاها في تأبين الشهيد محمود الخواجا ( وكأنه يتكلم عن نفسه ويرثي نفسه): "الشهداء لا يموتون، انهم أحياء يهبون لأمتهم مزيدا ً من الحياة والقوة. قد يبلغ القتل أجسادهم الطاهرة، ولكنه يستحضر معنى وجودهم مكثفا ً خالصا ً من نوازع الجسد وثقله، متحررا ً من قيوده، ويطلق أرواحهم خفافة حية مؤثرة بحجم المعاني التي قتلوا من أجلها وهم يدافعون عنها".

أمام هذه "الوصية" يقول: طوبى لزمن تركب فيه رؤوس حيوانات على أجساد أناس بزي بشر، لا ينهشون الا لحم أبناء شعب يدعون بانتمائهم اليه"... وكم كان ابن الرومي محقا ً في قوله (عن زمنه) "زمن تطفو فيه الجيف ويغرق الدر"، وكأنه يتكلم عن أواخر القرن العشرين في هذا الزمن العربي الرديء.

وأخيرا ً، نرى أن خير ما نختم به كلامنا عن الشهيد القائد المجاهد فتحي الشقاقي، هو ما جاء في برقية الأستاذ وليد جنبلاط الى الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، د. رمضان عبد الله شلح ( الذي انتخب خلفا ً لرفيق دربه وجهاده)، حيث جاء فيها قوله: "ان الدكتور فتحي الشقاقي هو شهيد الأمة. وليس الأول في مسيرة الجهاد ولم يكون الأخير؛ حسبنا أنه قضى في الطريق الصحيح ومن أجل أنبل الأهداف وأشرفها في زمن خنوع المستسلمين وسلام الجبناء".

المراجع

1- كتاب "فتحي الشقاقي شهيدا ً / سيف الجهاد المشرع رغم رصاص الموساد". مركز يافا للدراسات والأبحاث. القاهرة / المعادي. الطبعة الأولى. صيف 1996.
2- كتاب "الثورة الشعبية في فلسطين" (انعاكاسات – مواقف - آفاق). منشورات مركز ناجي العلي الثقافي. بيروت. الطبعة الأولى 1990. ص 65- 72 (محاضرة د. فتحي ابراهيم بعنوان:" المجتمع المقاوم وأساليب المواجهة في ظل الانتفاضة").
3- الصحف اللبنانية والعربية التي صدرت في الأيام التالية من أسبوع اغتيال د. فتحي الشقاقي في 26/ 10/ 1995.

مع العلم أن المجاهد فتحي الشقاقي ولد من أبوين عربيين مسلمين، لحما ً ودما ً، كما ولد في فلسطين نفسها، ومنع على جثمانه أن يدفن في ترابها، حتى لا يتحول قبره الى مزار يتبرك به الاستشهاديون والمجاهدون قبل قيامهم بالواجب النضالي ضد الصهاينة. بينما نرى أن أسحق رابين ليس فلسطينيا ً، وليس من أب وأم فلسطينيين، ولم يولد في فلسطين، ومع ذلك دفن رابين في أرض فلسطين.