Kamal Youssef El Hage

المسيح

المسيح

في هذا الكتاب. الخاتمة ربما، سأعود الى الرابطة، بين الجوهر والوجود، على الصعيد الاسكاتولوجي. قلت ان الحقيقة جوهر عام ووجود خاص. فلا هي روح سماوية، ولا هي مادة ارضية. ان كلاً من الروح والمادة واسطة للاخرى وغاية. ذلك لأن روحاً دون مادة ليست بروح، ولأن مادة دون روح ليست بمادة. اذن الرابطة بينهما هي رابطة عضوية. مما يعني اننا امام وحدة لا تتجزأ. ولا يمكن تجزئتها. ان سماوية السماء تقوم على ان تتأرض السماء. كما ان أرضية الارض تقوم على ان تتسامى الارض. وهكذا اجمع بين الروحية والمادية. او بين الجوهرية والوجودية.
الا ان رابطة الجوهر بالوجود ليست رابطة التصاق افقي. بل هي رابطة تجسيد عمودي. الجوهر يتجسد في الوجود تجسداً لا بد من حتمه. فيأتي الوجود تظهيراً ضمنياً للجوهر المتعالي.

على صعيدنا الآدمي، لقد انبغى للجوهر الاكبر، الذي هو الله، ان يتجسد في وجود، شبيه بوجودنا الانساني، دون أن يفقد شيئاً من عينية الوهيته. أقصد دون ان يبطل كونه جوهراً.

قلت سابقاً ان الجوهر مسوق نحو الوجود بحكم جوهريته ذاتها. لكن هذا السوق الى التجسد في الوجود لا يلغي بقاء الجوهر جوهراً. تجسيده في الوجود هو انعكاس لجوهريته لا ابطال لها. ومن جهة الوجود قلت الشيء نفسه. من واجب وجوده ان يندفع صعداً نحو الجوهر بحكم وجوديته ذاتها. هو توق الى الجوهر، الذي يدعى به، فينجذب الجوهر الى تحت، كلما استشرف الوجود الجوهر. هكذا يناخ الجوهر الى فعل التجسد بقدر ما يزيد ارتفاع الوجود الى عالم الفوقيات. وهذا دون ان يفقد الوجود شيئاً من وجودية وجوده.

يبقى ان لفعل التجسد مستويات عدّة. اسماها، وأعمقها، وابعدها، دون ريب، هو المستوى الذي نحن فيه، اي الانسان. لذا ترتب على الله ان يتأنسن كما ترتب على الانسان ان يتألهن كي يلتقي الخط الهابط من السماء بالخط الصاعد من الارض. أين؟ في شخص إله انسان. ذلك هو المسيح. انه السماء وقد تأرضت.

غير ان المسيح هو أكثر من المسيحية لأنه أكثر من مؤسسة. فقد نجد تعليماً من تعاليمه خارج المسيحية التي تنادي به، والتي تخضع للزمان والمكان، اي للتحجر والتوقف عن التطور نحو الأمثل والاكمل. من هنا الخضّات التي تتعرض لها. من هنا الازمات التي تعايشها، والتي تشير الى ان الكنيسة تقف، بعض الوقت، عن التقدم بسبب الحرف. اذ ذاك تأتيها الخضة من هزات برانية فتتطور. ولا عجب. الحقيقة لا تنحصر في زمان او مكان. ولا في مؤسسة واحدة مهما اتسعت وتعاظمت. لذا قد تهب رياح الحقيقة على المسيحية من خارج المسيحية باذن من المسيح. فتستجيب لها المسيحية لأن تلك الرياح تكون من صلب التعاليم السماوية التي جاء الناصري في سبيل تأكيدها.
نعرف قصة قائد المئة الذي قال ليسوع: «يا رب لست مستحقاً ان تدخل تحت سقفي ولكن قل كلمة لا غير فيبرأ فتاي». ماذا قال عنه يسوع للذين يتبعونه؟ قال: «الحق أقول لكم اني لم اجد مثل هذا الايمان في اسرائيل. اقول لكم ان كثيرين يأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. واما بنو الملكوت فيلقون في الظلمة البرانية».

نعرف ايضاً قصة الكنعانية التي خرجت من التخوم لتصيح وتقول: «ارحمني ايها الرب ابن داوود. فان ابنتي بها شيطان يعذبها جدا». ماذا كان جواب السيد لها؟ قال: «لم أرسل الا الى الخراف الضالة من آل اسرائيل... ليس حسناً ان يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب». وعندما اصرت، واستغاثت، وسجدت له، قال: «يا امرأة عظيم ايمانك فليكن لك ما أردت». أجل! قد يأتي الحق من خارج الاتباع.

اذا أردت ان أمثل من وقتنا الحاضر ذكرت الشيوعية. عندي انها نخعة شديدة للمسيحية، كي تنتفض من غطيطها، وتعي ما يترتب عليها من واجبات نحو العامل. انا لا اؤمن بالشيوعية. بل احاربها. ومع ذلك اعتقد انها تنبيه من المسيح ذاته للكنيسة ذاتها انها في غير الخط اللازم. اذن على الكنيسة ان تتطور. وهذا على اساس انه حيثما يوجد حق فهناك تعاليم يسوع المسيح. فقد نجد هذه التعاليم في سائر الاديان. لكننا لا نجد سائر الاديان في المسيحية. من اجل هذا قلت ان تعاليم المسيح هي اكثر من المسيحية لأنها أكثر من مؤسسة. مما يشير عندي الى ان انفتاح الكنيسة اليوم على باقي الاديان صادر عن الشعور بان تعاليم المسيح موجودة في غيرها.

كلمة واحدة تعرِّفنا بالمسيح. محبة. والمحبة لا يمكن حجرها في زمان ومكان. ولا في مؤسسة معينة. ولا في طقوس وشعائر وتقاليد. انها تتخطى الحرف الجامد لتكون سيدة كل تطور خلاّق في الوجود.

اذن ما قيمة المسيحية؟ قيمتها انها وحدها الشاهدة على المسيح كإله تأنسن. قد نجد تعاليم المسيح في غير المسيحية. لكننا لن نجد المسيح الا في المسيحية. ولا غرابة. الديانة المسيحية ليست تعاليم فقط. وانما هي شخص المسيح ذاته. ان الاديان الباقية ترتكز كلها على تعاليم. الا المسيحية. فانها الذي قال: انا والآب واحد.