poets-writers

Fawzi Assaker

Poet and Writer

فوزي عساكر في سطور

- أبصرَ النور في جبيل، مدينة الحرف، ولكنّه ما زال حتّى اليوم يُفتّش عن أحرفها المبعثرة بين مصالح المسؤولين الرافضين تشجيع الفكر والإبداع.
- درس إدارة الأعمال والإخراج، فيما اتّجه إلى التدريس والتأليف والتلحين والإخراج.
- أسّس في العام 1981 فرقة لبنان الأخضر الفنيّة، كتبَ وأخرجَ لـها العديد من المسرحيّات، منها: كمشة تراب – انطفا القنديل – حكومة فريد بك – حتّى إشعارٍ آخر – جريـمة فاتَها الغفران – رُفِعَت الجلسة...
- كتبَ وأخرجَ وقدّم العديد من البرامج الإذاعيّة، منها: عشّاق القمر – بيدر العشّاق – طفل السّلام – مُجتمع وكرامة...
- في العام 1997 أبصرت النور أولى إصداراته الأدبيّة بكتاب في الفلسفة بعنوان: «جزءٌ من الله أنا».
- في العام 2000 أصدر كتابًا ثانيًا في الحبّ بعنوان: «أحبُّكِ في الزّمن الممنوع».
- في العام 2002 أصدرَ سلسلة الراقي في المطالعة والتعبير، والتي حصلت على موافقة المركز التربوي للبحوث والإنْماء في لبنان، وصدر يومها قرار من وزارة التربية والتعليم العالي بإمكانيّة اعتمادها في المدارس الرسـميّة. وهي من ثلاثة أجزاء:
- 1_ «دانـي وآيات الكِبَر».
- 2_ «إبتسِم دائِمًا».
- 3- «رغم الخطوات الثقيلة».
- في العام 2003 أصدرَ كتابًا في السياسة بعنوان: «ديـمقراطيّة نَحو السّلام».
- وحبرُ قلمه لم يَجفّ، فهو اليوم يضع قيد الطّبع كتابه السّابع بعنوان: «معلّم الحقّ في زمن الباطل».
- إلى كلّ ذلك، كتبَ في العديد من الصّحف اللبنانيّة وكتبت عنه صحف لبنانيّة وعربيّة، إلى أن أصدرَ مطبوعتَه الخاصّة في العام 2005 وهي: مَجلّة «العالـميّة» وهي مَجلّة شبابيّة جامعة.
- كتبَ العديد من كلمات الأغنيات ومثّل في أفلام تلفزيونيّة، علمًا أنّه عضو في نقابة مُمثّلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان، وعضو في جَمعيّة المؤلّفين والملحّنين وناشري الموسيقى في لبنان والعالم. لحّنَ العديد من الأغنيات، وجَميع ألحان المسرحيّات التي قدّمها، وقد برع في عزف الأورغ.
- له مسلسلات تلفزيونيّة جاهزة للتصوير.
- نظّمَ العديد من المهرجانات الفنيّة السّياحيّة في مناطق عديدة.
- خطيبٌ إرتِجاليّ وشاعر سريع البديـهة.
- حاضرَ للشبيبة في أكثر من مناسبة.
- واليوم إضافةً إلى التعليم، يشغَل فوزي عساكر منصب مدير عام ورئيس تَحرير مَجلّة العالـميّة التي يكتب افتتاحيّاتِها المميّزة باللغة السّهلة والبليغة والمرصّعة بالرّسائل الـهادفة.
- متزوّج من رنده هيدموس، ولـهما ثلاثة أولاد: دانـي، جوليان و أنطوني.
- فوزي عساكر يفخر بأنّه لم يرث اسـمًا ومالاً ومكانةً اجتماعيّة، بل صنعها كلّها بنفسه، وما زال يكافح في زمن الأيادي الجافّة اليابسة، التي لا تدفع إلاّ ثَمنًا للذلّ والاستعباد. من هنا مقولته الشّهيرة: «عملة هذا الوطن لا تُدفع ثَمنًا للكلمة بل ثَمنًا للسّكوت». ولكنّه متفائل دائِمًا بأنّ وراء الضّباب الأسود، قطرات ماء تروي عطش الانتظار، وحدهُ اللهُ... يصنعها.

من كتاب: معلّم الحقّ... في زمن الباطل
تأليف: فوزي عساكر (2007)
نَماذج من أمثال وخواطر الكتاب

2_7

11_ ص 19 _ أوسِمةُ العظماء لا تُعَلَّق إلاّ على قبورِهم.
14_ ص 21 _ لا تُحدِّث متكبِّرًا عن نفسِه، فينسى أنّكَ بقربه.
33_ ص 34 _ الشّعب الرّخيص هو الذي تُضحِكُهُ السّخائف.
42_ ص 39 _ ثَمن التعاسة: قليلٌ من السّعادة غير المشروعة.
52_ ص 44 _ الأرضُ التي تُنبِتُ زعماء صغارًا، يـحرقونَها في ربيع العطاء.
62_ ص 50 _ أكثر أرباب العمل أسياد، وللأسف يعتقدون أنّ لديـهم عبيدًا.
63_ ص51 _ كلّ ما يطلبه الرّجل من زوجته أو حبيبته، فقط الابتسامة الدّائِمة.
64_ ص 51 _ أعطِنا يا ربّ ذرّةً من تفاؤلِكَ في ما نراه معجزةً، لنُزلِّلَ الصِّعاب.
66_ ص 52 _ مَن يَحجب الشّمسَ عن عيونه، لا يَمنعها من الشّروق.
67_ ص 53 _ لِماذا أفعل ما سأندمُ عليه؟!
76_ ص 57 _ أخطر شيء في الحياة، أن يُعلِّمَكَ القيادة، مَن لا يقود!
80_ ص 59 _ الفراغ... وكرُ اليأسِ والخطيئة.
87_ ص 66 _ ما أصعبَ أن تَرى خطأً في مَن تُحبّ، وتَخسره إنْ أردتَ له تبيان الخطأ.
88_ ص 66 _ لا تُمزِّق الشّراع بعد أن ترسو السّفينة، فتحتاجه ربّما، في رحلةٍ ثانية.
97_ ص72 _ لا تًصافِح اليد التي تَخون.
99_ ص 73 _ كي تُحاولَ ألاّ تُخطئ من جديد بعد خروجِكَ من كرسي الاعتراف، تَذكَّرْ أنّها ربّما هي الفرصة الأخيرة لكَ كي تتوبَ، وربّما هو الاعتراف الأخير!
104_ ص 76 _ لا تتّخِذْ قرارًا في لحظةِ الغضب والضّعف والنّدم، ولو حتّى قرار التّوبة!
107_ ص 78 _ بعض اللحظات، قيمتها في «انتظارها»!
114_ ص 82 _ حياتُنا مع الخطيئة تشبه بَهيمةً، في عنقِها جرس، ومَمنوع عليها أن تَهزَّه حين تَمشي!
125_ ص 88 _ العظماء لا يَموتون وإنْ كانوا في عصر الأموات، لأنّ كلامَهم يُستشهَدُ به، بعد غيابِهم بِمئةِ عام.
126_ ص 89 _ لا تَجتهِدْ أن يُحبَّكَ العشرات، بل أن يَحترمكَ الجميع.
132_ ص93 _ يشتهر وطني ببناء أهرامات من نوعٍ آخَر، ففي القاعدة آلاف ترفع المئات، والمئات ترفع العشرات، والعشرات ترفع واحدًا يُضحّي بالجميع!!!
133_ ص 94 _ أن نقول «لا»، هذا لا يعني أنّها الديـمقراطيّة، ولكنّ الديـمقراطيّة حيث نَجد مَن يستمع لكلمة «لا»!
150_ ص103 _ إنّ أكثر أرباب العمل، لا يـهمّهم من العامل سوى أجره الزّهيد، وعرقه الوفير، وفَمِه الـمسدود...
163_ ص 112 _ تأسف جدًّا حين تنحني أمام خصمكَ مادًّا يدَ الـمسامَحة، فيرى في انْحنائكَ ضعفًا ولا يشعر بالتواضع والغفران.
164_ ص 113 _ لا تَدَعوا عشقَ التّراب للتراب، يُسقِطُ روحًا تعيش رهينةَ نزواتِ التراب!
172_ ص 119 _ ما أصعبَ موقف ولد ضربَهُ ابنُ جيرانه، فانتظرَ ليلاً عودةَ والده من السّهر الطّويل ليشكو إليه، وفتحَ له الباب ليدخل؛ فدخلَ وانْهالَ عليه ضربًا لأنّه ما زال صاحيًا خارج الفراش.
173_ ص 120 _ الفشل رعشةٌ توقظُ عنفوانَ الـمبادرة من جديد، إلى النّجاح العظيم!
244_ ص 174 _ ليس الـمهمّ أن نُحبّ، إنّما أن نعرف كيف نترجم ونعبّر عن هذا الحبّ.
255_ ص 185 _ كلّما تعذّبتَ في حياتِكَ، أُنظُر إلى صورة السيّد الـمصلوب وتَذَكّر مهما بلغَ عذابُكَ، أنّه تعذّبَ أكثر!
275_ ص205 _ لَم أكُنْ يومًا مع جسدي في مكانٍ واحد.
300_ ص 230 _ الأمّ هي أعجوبة الحياة المتجدِّدة في سرّ الخَلق.
306_ ص 236 _ مهما قدّمتَ للصّراصير، فلن تَجِدَ راحتَها إلاّ في سلّة النّفايات!

من كتاب: أحبّكِ... في الزمن الممنوع
تأليف: فوزي عساكر (2000)
نَماذج من نصوص الكتاب

3_6

النص السابع، صفحة 21، بعنوان: لا تنظري إلى الساعة ونَحن معًا!
لا تنظري إلى السّاعة ونَحن معًا، فأنا بالحبّ أتَخطّى الزّمن كالآلهة، والزمن عندي ليس إلاّ مَحطّة نُحبّ فيها بالمقياس والوزن والدقائق. لا يا حبيبتي، فعندما نلتقي، لا أرى أهمّ من اللقاء بكِ، وما يَهمّني إنْ سقطت حكومات أو حدثَ انقلاب، أو تظاهرت نقابات العالم. فقط يهمّني أنني فيكِ ومعكِ ولكِ!

أنظرُ في عينيكِ فأرى الخوفَ شبحًا يلبسُ عباءة الـهول في مهبّ العاصفة، ويصرخ: «دقّت السّاعة، وانتهى... انتهى... ألف مرّة انتهى...»
لا تَخافي من زمان العشق يا حبيبتي، وفي كلّ مرّة، انتبهي واحسبي أنّها ربّما المرّة الأخيرة، فلماذا لا نرتشف طيبها لآخر جرعة؟! والساعة في اليد، لا تفيدنا إلاّ لنحسبَ الساعات والدقائق والثوانـي، في انتظار اللقاء.
نعم، أعلم أنّكِ لستِ لي، وربّما جَمال الحبّ في زمن الخوف والهروب، وفي الزمن الممنوع. ولكن لن تفيدنا الساعة، فهاتـي لأَرميها في قعر البحار، ونغطس معًا بِحجّة البحث عنها. لا تستغربـي، فأنا أعشق الغرق إنْ غرقنا معًا، وأحلم أن أطيرَ في السماء إنْ طرنا معًا.
ساعةٌ واحدة أعشقُ عَدَّ ثوانيها، هي قبل أن نلتقي، فكلّ ثانيةٍ جَمرٌ ولا أستطيع الهروب منه. وأعشقُ أن أرميها عندما نلتقي، كي نضيعَ عن كلّ واقع، يفصلنا مهما طال اللقاء.
لا تنظري إلى الساعة ونَحن معًا، فقط، فكّري بي، ولكن أنتِ لستِ لي... فلماذا أحبّكِ في الزمن الممنوع؟!

النص التاسع والأربعون، صفحة 84، بعنوان: سقطتُ شهيدًا...
تلك الدموع في عينيكِ توشِّحُ الأملَ بلون الحيرة والأسى. تقتل الحقيقةُ أحلامَكِ الهاربة في تيّارات القدر المعاكسة، وأنا أمام تلك الدموع، أعشق الأملَ وأُبـحِرُ إلى دائرة الممنوع!
تلك الدموع والأمل والخيبة والمعاناة، كلّها وأنتِ تشكين إليّ حبَّكِ الممنوع إلى حبيبٍ لن تَجمعكِ به سوى الأحلام التي ستبقى أحلامًا إلى الأبد، فأنتِ ملكٌ لآخَر.
صلّيتُ آلاف المرّات كي أنتقي إليكِ نصائحَ لا تُسقِطُ مَملكة، ووقفتُ على عتبةِ قلبكِ أحرسُ أحلامَكِ وأُبعِدُ عنكِ هواجسَ العشقِ في زمن الممنوع. وإذ كنتُ ذلك الحارس على باب قلبك الخافق، أبْحرتْ إليّ موجةٌ تشدّنـي وترمي بـي بين طيّاتِ قلبكِ عاشقًا بغيرِ إرادتـي!
مسحتُ دموعَكِ، وقبّلتُكِ، واشتعلَ فيَّ العشقُ، فأضاء عينيَّ وقلبي، وأُغرمتُ بكِ إلى حدّ التحام الموج بالموج واستحالة التفرقة. وهكذا كان خطأي الذي لا يُغتَفَر، فخسرتُ صداقتكِ ولم أربح حبّكِ، بل جعلتِ منّي عدوًّا تطاردينه، وتصوّبين عليه بنادق الحقد والكراهية، فسقطتُّ شهيدًا ولكن ليس بسيف الأعداء بل بسيف سيّدةِ المملكة.
نعم، أحببتُكِ بغيرِ إرادتـي، فقط، لأنني استمعتُ مطوَّلاً إلى خفقاتِ قلبكِ وأنتِ تعشقين غيري؛ ومسحتُ دموعَكِ وأنتِ تبكين لغيري؛ واستمتعتُ بآهاتِ الحنين الصّاعدة من القلبِ تصِفين بِها غيري؛ فنسيتُ نفسي وأردتُ أن أكون هذا الذي تعشقينه وهو لا يدري، فأُبادلكِ حبًّا وقبلةً مُسكِرةً تُعيدُنا أطفالاً عاشقين، لا يقيّدنا واقع الحياة.

النص الخمسون، صفحة 86، بعنوان: ماذا فعلتٍ بـي؟!
أحببتُكِ جزءًا كبيرًا من عمري الترابـي القصير، فجعلتِني أنتظرُ موعدًا طال فيه الانتظار. غفوتُ آلاف المرّات، على أمل يومٍ جديد يتحقّق فيه الموعد الكبير، وصحوتُ آلاف المرّات، أنظرُ إلى الشمس تسخرُ من انتظاري، وتقول: «سأشرق كلّ يومٍ فوق أرض الهموم الكثيرة، ولن أستطيعَ أكثر من أن أُجفّفَ جزءًا قليلاً من الدموع، لأنّها وحدها الأقرب إلى منبعها، حيث في الجوار تَختلج المشاعر وتتمخّض الأفكار، ويذوب القلق في كلّ لحظةٍ، دموعًا تتجدّد في سواقي الحياة. فلا تَخجل من شروقي أيّها العاشق، أنا قنديلٌ لا يفعلُ سوى فعلِ نورٍ، لا يغيّرُ الواقعُ بشيء.»
ماذا فعلتِ بـي؟ انتظرتُ وكنتِ أنتِ سيّدة الطلب، فلماذا جعلتِني أُبدّدُ عمرًا لا يعود إلى الوراء. واليوم أنتِ في كلّ مكانٍ إلاّ معي.
ما فعلتِ بـي، كمن يأتـي بصبيّة بريئة يُلبسها ثوبَ العرس ويكحّل عينيها ويدهن وجهها بلون الفرح، ويَجمع لـها المدعوّين فيرقصون في حفلةٍ أُعِدّتْ لعرسِها، وعندما تدقّ الساعة منتصف الليل، ويَحين موعدُ قدوم العريس، وتَمتلئُ فرحةً طالـما انتظرَتْها، تُؤمَرُ بأن تَخلعَ فستانَها، وتغسلَ وجهها وتطفئ قناديلها، لأنّه ليس هناك من عريسٍ يزيّن فرحتَها. فتنتحر في فراشها، باكيةً خجلاً أمام المدعوّين، لأنّها فرحت أمام الجميع في ليلة ليست ليلتها، وتلاعب أحدُهم بِمشاعرها، فسقطت أمام حلم لم يتحقّق.
واليوم ماذا تريدين بعد، وقد صرتُ أُضحوكةَ عاشقٍ لم يؤمن يومًا أنّ الأحبّاءَ مراؤون؟!

من كتاب: ديـمقراطيّة نَحو السّلام!
تأليف: فوزي عساكر (2003-2004)
نَماذج من مقالات الكتاب

1_7

المقالة السابعة، صفحة 29، بعنوان: قوانين عثمانيّة للألف الثالث

في بؤرتـي كُتِبَ لي أن أعانـي وأكتبَ معاناتـي دائِمًا...
... وهل كان ينقص هذا الشّعب المسكين «المنتوف» أن تتقرّب منه الدولة، بإدارات القبض والجباية المحليّة (...)، وتـحت قوانين عثمانيّة سَنَّها الباب العالي في زمن انتهاك الكرامة، وخضعَ لـها الشّعب مئات السنين، وبات عبدًا يـخاف موتى الآستانة وينفّذ قوانينَهم على حساب أجيالٍ تأبـى السّلاسل؟! وهل مكتوبٌ لـهذا الشعب أن تُستثنى كرامتُهُ من جدول القيم التي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان، ليبقى في هذا الوطن أحزمةُ بؤسٍ في كلّ مكان، فتعبد الدولة بإداراتِها ودوائرها الحجر وتستعبد البشر؟ فكيف نشعر بالانتماء إلى دولةٍ تعتبرنا كالهنود الحمر في أميركا وقد جُعِلوا في خانة الاحتياط؟!

هل دَوْر الإدارات الرّسْميّة حِماية القانون من الإنسان أم حِماية الإنسان بالاجتهاد على قوانين عثمانيّة ما زالت مُتَّبَعَة في إدارات الألف الثّالث؟ نَحن لسنا بِحاجة إلى موظّفين إداريّين، يَرِثون الرّوتين الإداري وسياسة «روح وتعا» و «بعد جيب هالورقة» و «نسينا» وغيرها من مفردات التّعتير والتّفاهة. نَحن بِحاجة إلى رجال أقوياء، يَدخلون في القضايا الصّعبة، ويَجعلون من اجتهاداتِهم مادّةً أساسيّة في صياغة القرارات التي تصلح لخدمة المواطن... الذي ما زال في أرضه حتى اليوم، يؤدّي رسالةَ حَمْلِ الصّليب منفرِدًا في غياب أيّ قيروانـيٍّ عابرِ سبيل. نَحن بِحاجة إلى مسؤولين ومَجالس بلديّة تـحكمُهم الجرأة، فيتّخِذون القرارات الصّعبة.

كلُّ قانون يظلم أحدًا، هو قانون فاسد يَجب تعديله. وإذا لم يُعدَّل يُصبح جريـمةً تُرتكَب باسم القانون.

إنّ قوانين الدولة العثمانيّة، لا تتناسب مع أجيال الألف الثّالث وطموحاتِهم وحقوقهم، لأنّها قوانين استعباد واحتقار للقيم، وينتقدها الشّعب في أيّ زمان، ويا للسّخرية... فمَن ينتقدها ويعانـي منها، يتزعّم ليصيرَ مسؤولاً _إداريًّا فقط _ ليُنفِّذَ هذه القوانين الفاسدة بِحرفيّتِها، ويُحافظ عليها، ويَحكم بِها، ويُساقُ طوعًا لَها بطيبةِ خاطر وينفّذها من غير أيّ جهدٍ لتعديلها. فالتّحديث ينطلق من الشّارع والزّاروب حيث المعاناة، ولا ننتظرهُ قادمًا من قصور القياصرة بعباءةٍ فضفاضة بالقيم والمبادئ! إننا نعانـي مَرارةً... ويكفي!
وطن الحريّات، يَحكمه الخوف الدّائِم، ولا يَخاف سوى «الأوادم». القانون في الألف الثّالث، لا يـحمي أحدًا... ومَن يدفع الثمن هو المظلوم، فهل من الأفضل أن يسكتَ المظلوم ولا يطالب بِحقّه كي «لا يزعل حدا» وكي لا يسقطَ ضحيّة المطالبة؟
والأضحوكةُ الموجعةُ في سفر القانون، هذا الـمَثَل الذي يُطبَّق في مُجتمعنا كلّ يومٍ إكرامًا لقوانين عثمانيّة خالدة للألف الثالث: «إنّ أحدَ الفلاّحين نَهضَ باكرًا على صوتِ استغاثةِ خروفه في الزريبة، فأسرعَ لإنقاذه بكلّ اندفاع... ولمّا وصلَ وعَلِمَ أنّ الحصانَ الـمتوحّشَ قد رفسَ الخروف الضّعيف وكسرَ وِركَهُ، شهرَ الفلاّحُ سكّينَهُ وذبحَ الخروف، وباعه لأصحاب البطون الفارغة، واشترى بثمنه بردعةً للحصان!!!»
وفي مُجتمعنا كلّ يومٍ يسقط آلاف الخراف ضحيّة الأحصنة المفترسة الـمحصَّنة بقوانين عثمانيّة في الألف الثالث. فهل الحقّ للقويّ في هذا الوطن؟! أليس هناك قوانين تَحمي الضّحايا؟!
وهل تلومون زياد الرحبانـي واصفًا هذا الوطن بأفضل جـملة أدبيّة لبنانيّة: «هَيْ بلد؟ لا مش بلد، هَيْ... مَجموعين...»؟! (عفوًا... النّقاط هي زمّور اللياقة). إننا حقًّا في وطن الظّلم والقوانين الجائرة التي سَخَّرَتْها الدّولة العثمانيّة كي تتابع سياسة الاستبداد، حتّى وبعد زمن الاستقلال.
كم سَمِعنا مَن ينادي بالتغيير منذ زمنٍ بعيد، ولكنَّ قوافلَ المروءةِ تَحطُّ رِحالَها في قَيْلولةِ الـمناصب الرّفيعة. وشـمس غدٍ هي نفسها شَمس اليوم والأمس، فهي نفسها لا تدرك التّغيير. فقط، نَحن ندور حول أنفسنا وحولها، سُكارى، نـحرق زيتَ عُمرِنا دفاعًا عن كرامةٍ أُهينت بالقانون والأسياد الضّعاف!
والآن دعونـي أنام، فقد هدرَتْ في أُذنـيَّ دواليب طواحين العالـم الثّالث، التي تَمنع الأباطرة من الاستماع!

المقالة التاسعة عشرة، صفحة 79، بعنوان: ...وتَهزّ العالمَ بيسارِها

كانت الحياةُ قد أهدتني أمًّا، تسهر تربّينا تربيةً صالحةً، تُصحّحُ اعوجاجَ النموِّ فينا، توجِّهُنا إلى عمل الخير على رغم الأزمات، وإلى الأمانة على رغم انتشار الفساد. فاعتقدتُ يومها أنّ كلَّ أُمٍّ جديرةٌ للعملِ في مصنع الرّجال وتنشئة الأجيال.
هذه الأمُّ رحلتْ قبل المغيب، وتركتْ فينا صوتًا يقولُ «لا» متى جاءتِ اللاّ صوتَ ضميرٍ في وجهِ الاعوجاج.
وفي مُجتمعنا المخمليّ، (بعض النّساء) أصبحنَ آلات تفقيس لأجيال تُرمى في الشوارع تبحثُ عن هويّة وأخلاق، وانتقلَ فيهنَّ دورُ المربّي إلى دورٍ بيولوجي بِهدفِ تفقيس ثَمرة «جِهْلِهِنَّ»، كي يشهدَ العالمُ على صلاحيّة بطونِهنَّ في إنـجاب البنين، فيُنـزَع عارُهنَّ من بين البشر. وبعد ذلك، تُطلى وجوههنَّ بِمعجون يصلح أن يُستعمَلَ لِ «بلوكاج» الطرقات، وتغطية الـحُفَر؛ وتُخلَقُ من أبدانِهنّ منطقة أوسطيّة صحراء عارية بين الـمَحاسن العُليا وما سُتِرَ سَهوًا في الدّون؛ وتُترَكُ نوافذُ شفّافةٌ ليترحَّمَ العالمُ على «خبز التنّور».
إحداهُنَّ كانت الحكاية...
ضُبِطَ ابنُها يسرقُ من إحدى المنازل النائية، فَسيقَ إلى مركز الأمن وأُوقِفَ بانتظار استدعاءِ أهلِ قاصرٍ قبل اتِّخاذ التدابير. جاءت الأمُّ النّهوندُ إلى مركز الأمن تزلغِط نُدبةَ الأوها:
- يا مْعَتَّرا يا مْشَحَّرا إبنِك بريء...
- يا مأثّرة يا مْخَسَّرا وجايي على الرّيق...
- يا مْعَذَّبـي بْتِربايِةْ وْلاد القِيَم...
- يا تاهْمين إبنِك حرامي وْهو بَريء... وِلي لي لي لي ليه!
- وتدخل السيّدة المرموقة إلى مركز الأمن، مُعلِنةً براءة ولدها. فيشرح لَها المحقِّقُ أنّ ابنَها ضُبِطَ بالجرم المشهود، ففوجئت قائلةً: «إيه والله بدّي أقبرو بالبيت، أنا قلتلّو انتبِه حدا يشوفك».
استغربَ الـمُحقِّق وسالها أن توضِحَ فاستفاضت:
_ سيّدي الشّرطي... إنّ ولدي «الـمجدوب» طلبَ إذنًا ليسرقَ لعبةً من منـزل جيراننا، وعندهم منها الكثير. فنبّهتُهُ وحذّرتُهُ إذا رآهُ أحدٌ سأضربهُ ضربًا شديدًا. ولكنّهُ وعدنـي أن يرافقه ابنُ عمّه، ويقف من البعيد يراقب القادم ويُخبرهُ ليهرب. لكنّه ضُبِطَ بالرّغم من الحراسة، لأنّه لم ينتبه: «جُرصَة». سأنالُ منه في البيت، وأضربه ضربًا موجِعًا...
فضحكَ الـمُحقِّقُ قائلاً:
_ منذ زمنٍ بعيد ونَحنُ نفتّشُ عن تلك الأمّ التي «تَهزُّ العالَم بيسارها». كُنّا نعتقد أنّها فقط مَثَلٌ في كتاب المدرسة، ولم يعلّمونا أنّها تعيشُ طليقةً في مُجتمعٍ تُفسِدُهُ وما زالت تَهزُّ أسِرَّتَهُ كلّ يوم. لقد وَعَدْتِ ابنَكِ بِعقابٍ فيه الضّربُ الموجِع، وها نَحنُ نُطلقُهُ بريئًا، وتدخلين مكانه، فينسى أُمًّا عاثت به وبِأَترابِهِ فسادًا.
تسقطُ الـمُجتمعات عندما يتحوّل دورُ الأمّهات فيها إلى دور إنْجابٍ فقط، فيما يُطلَقُ التّوجيهُ في إجازة. فطوبـى لِمَن بَقِيَتْ أُمًّا في زمنِ عُقمِ القِيَم!

من كتاب: دانـي وآيات الكِبَر
(سلسلة الرّاقي في المطالعة والتعبير)
تأليف: فوزي عساكر (2002)

 dany

القصّة العاشرة: (الليلة الأخيرة لآيات الكِبَر!- صفحة 111)
سنواتٌ مضت، ودانـي يكبر وينمو، وطالـما استهوته سهراتُ جدّه العجوز، في ليالي الصّيف الـمُقمِرة، وفي ليالي الشتاء الحالكة. وفي كلّ ليلةٍ يرتشِفُ من كأسِ حكاياتِ جدّه جرعاتٍ عديدةً من النّكهة والتشويق، وآياتٍ عظيمةً، تصلحُ آياتٍ للكِبَر، تقودُ فيه العقلَ إلى مفاصل الحياة ومعنى الجهاد.
الحياةُ مستمرّة، والأشخاصُ فقط يتبدّلون، وهكذا باستمرارٍ لتكتملَ ورشةُ الحياة، وتنتهي خدمةُ البشر على مائدةِ السّماء.
وفي تلك الليلة، بعد أن سهرَ الجميعُ حولَ مغارة الميلاد، وشربوا معًا نَخبَ العيد واللقاءِ والسّعادة، وكؤوسًا عديدةً من خوابـي ذكريات الجدّ العجوز، الـمعتّقة في أقبيةِ الكفاحِ والزّمن، خلدوا إلى النوم بعد منتصف الليل.
وفي الخارج عاصفةٌ تلفُّ أصداءَ أجراسِ العيد، وتنفخُ روحَ الانتقامِ في صخبِ الـمناسبة، فتقتلع شجرةَ السنديانِ في مئويّتِها الأولى، ومعها تسقطُ الدّالية أمام البيت، فتتعمشق بزينةِ العيد على عتبة الباب الرئيسي، وتتكمّش بِها بقبضةِ النّجدة التي يقبضُ بِها الغريقُ في اللحظةِ الأخيرة قبل الغرق، ولكن... تسقطُ الدّالية والزّينة والسنديانة، وتقصف الرّعودُ وتومضُ السّماء شُهُبَ قذائف الطبيعة، فتسقط الصّاعقة على تاج البيت، وتَجعل القرميدَ حُطامُا، ويصحو دانـي مذعورًا!!!
لم يستطِعْ أن يستوعبَ كلَّ غضبِ الطبيعة في لحظةٍ واحدة، فهلعَ راكضًا واندسَّ في سرير جدّه يَحتمي به من كلِّ ما يُخيفه. فهو طالـما آمنَ بدفءِ صدره وقوّة بُنيتِهِ، وأصبحَ سورًا حصينًا يَحتمي به ولا يَهابُ الـمنايا.
إلتصقَ الصّغيرُ بِجدّه كي يدفأ، ولكن... لم تكن تلك الليلة كَمثيلاتِها. فكلّما التصقَ دانـي بِجدّه أكثر، شعرَ بالبردِ يزداد. فالدّفءُ قد هجرَ سريرَ العجوز بغيرِ عادة. فاعتقدَ أنّ جدَّه بِحاجةٍ إلى الدّفء أكثر، ولكن عبثًا حاولَ، فازداد بردُهُ، ولم يدفأ العجوز. عندها، قبّلهُ حفيدُه، فذُعِرَ معتقِدًا أنّه يقبّل قطعةَ ثلجٍ تقشعرُّ لـها الشّفاه. وصرخَ دانـي:
_ جدّي... جدّي... لِماذا لا تُجيبُ؟! أنا أُناديكَ، جئتُ أُدفئُكَ، وكأنّكَ لا تدري. لِماذا لا تُجيبُ يا جدّي؟!
وسَمِعَ الجميعُ صراخَهُ، وجاؤوا على عربةِ الخوفِ فذُهِلوا!!!
وفي تلك الليلة، سكتَ كلُّ شيءٍ، فبكتِ السّماءُ مطرًا وقَصْفَ رعودٍ وعواصفَ، وانزوى دانـي في زاويةٍ باردةٍ، تسخرُ من بصيصِ جَمراتٍ يَنوسُ وهجُها في موقدِ السّهراتِ الباردة، وغابَ الصّدرُ الذي كان يُدفئهُ طوالَ سنواتٍ، فرحلَ الجدُّ العجوز، مستسلِمًا لإرادةِ الله، تاركًا لِحفيدِهِ ذاكرةً تزخرُ بِما يصهرُ شَخصيّةَ الطّفولة فيؤهّلها إلى مستقبلٍ مُشرِق.
ولكنّ دمعةَ دانـي في الليلةِ الأخيرة، كانت جوازَ عبورٍ إلى عمرِ الشّباب والكفاحِ والأمل، مَمهورًا بآيات الكِبَر.

من كتاب: رغم الخطوات الثقيلة
(سلسلة الرّاقي في المطالعة والتعبير)
تأليف: فوزي عساكر (2002)

 difficult_steps

القصّة الأولى: (بيتُنا العتيق- صفحة 13)

علّمَتْنا الحضارة أن ننسى واقِعَنا وتُراثَنا الحقيقي.
بيتُنا العتيق، في منطقةٍ جبليّة نائية، شيخٌ يعتلي عرشَ الملوك في الجبل الأشمّ، يُقارِبُ عناقيدَ السّماء، يوشوشُ الخالقَ ويستمدُّ منه العزمَ والجمال.
لـم تَمرَّ طوابيرُ الحضارة في طريقه، لأنّ طريقَهُ البيضاء لا تتّسِعُ إلاّ لِعربَةِ الخيل التي يسوقُها بائعُ الكاز، وموزِّعُ الزّيت. تلك الطّريق البيضاء، الضيّقة بِعرضِها، تَجَمْهَرَ عليها أهلُ الضّيعة زمانًا طويلاً، «يُزلغطون» لأعراسهم واحدًا تلوَ الآخَر.
أوقفْنا السيّارة على بُعدِ عشرات الأمتار، ورحنا نَمشي إلى بيتِنا الذي نسينا وجهَه بعد غيابٍ طالَ سنوات.
فكان أبـي يَمسحُ دموعَهُ خِفْيَةً، كلّما مشينا بضعَ خطوات، ولم أشأ قَطْعَ أحلامِهِ في ذكرياتِ ماضيه العتيق. كان يَمشي وكأنّه يدوسُ على آثار أقدام الذين رحلوا... جدّي وجدّتـي وأهل الضّيعة والجميع. ويرتاح حينًا على صخرةٍ تَحتَ سنديانةٍ، حيث ارتاحت جدّتـي مِرارًا وهي قادمة من الحقلِ البعيد، وكروم العنب والتّين، وحينًا آخر قربَ عين الماء، حيث خبّأَ جدّي زادَهُ حين كان يقلب الحقلَ هناك من الفجر إلى ساعةِ الغداء.
أنا لا أذكرُ جدّتـي وخطواتِها، ولـم أتعرّف إلى جدّي إلاّ في الصّورة الـمعلّقة في صدر الدّار في بيتنا السّاحلي. ولكن أحسستُ أنّ جدّتـي وجدّي يَمشيان بقربـي ليساعدانـي في الوصول إلى البيت الذي يعرف كلّ ذكرى في ماضيهما.
وَصَلْنا إلى البيت عند الخامسة صباحًا، فأومت لنا بومةٌ تَحتلُّ طاقةً في أعلى القرميد، وقالت: «_هذا بيتي وأنتم لكم المدينة.» فَتَقدّمْنا إلى ناحيةٍ منه، وإذ بنا نرى بقايا أعمدة وحجارة كَحَّلَها التّراب ولوّنَتْها الأعشاب، ناسيةً أنّنا سنعود!
ورحنا نَطوفُ حولَ البيت، نفتِّشُ عن البوّابةِ التي لعبَ أمامَها والدي في الطّفولة، وأسندَ جدّي ظهرَهُ عليها مغنّيًا «العتابا» بِصوتِهِ الجبليّ، كما تقول الحكاية.
داليةٌ مشعَّبة الأغصان، تتستّر بأوراق كثيفة، وقد امتدّت أغصانُها من أعلى الخيمة إلى الأرض، فَحَجَبَتِ النّورَ عن بوّابةِ البيت الكفيف. شبّهْتُها بِلحيةِ عجوزٍ فَقَدَ كلَّ أبنائه ويَحسبُ ألفَ شروقٍ وألفَ مغيب.
أفرَيْتُ أوراقَها وبدت لي عتبةُ البوّابة الرئيسيّة، وقد تَعِبَتْ من الانتظار، واتّكأَتْ على كتف الباب توشوش الطّاقة جانِبًا، وتسألُها ذكريات السّنين. رأتني فَخَجِلَتْ من انْحنائِها، وقالت: «_يا بنيَّ، إنّه الاحترام!»
العصافيرُ اتّخذتْ لَها أوكارًا بين الطّاقةِ والنّافذة، وما تَصدَّعَ من جدرانٍ شَقَّقَها السّكون وقَتَلَها الانتظار.
فانْحَنَيْتُ وتَخطّيْتُ الرُّكامَ إلى نافذةٍ سقطتْ هامتُها، وأغمضتْ عينَيها، ورقدَتْ في سُباتٍ عميق، بعد أن اطمانّت لرجوعِنا وأكلَها النُّعاسُ طيلةَ سنوات.
رحتُ أفتِّشُ عن لعبتي التي تركتُها في طفولتـي، ولـم أصطَحِبْها معي يومَ الرّحيل، لأنّ «يوسف العطيله» سائق عربة الخيل، كان مستعجِلاً يومها للعودة إلى الـمشارَكة في مأتَم المختار «نعمة الله الأفكَش». ولا يُعوَّضُ عن شيءٍ يضيعُ في الطفولة!
بيتُنا ذلك، يَحتضنُ في داخله غابةً من العشبِ والعلّيق، بعد أن فشلَ في احتضان العائلة التي أصبحتْ أشلاء في مَهبّ الكفاح والبحثِ عن العِلْمِ ولقمة العيش. تلك العائلة التي تَوَزَّعت فوق التراب، ترابًا حائرًا مُكافِحًا، وتَحت التراب، ترابًا سلّمَ الرّوحَ الأمانةَ إلى خالقها.
أحاطَتِ الأعشابُ غرفتي الصّغيرة، وخبَّأَتْ سريري الذي دلّني إليه حنانـي.
خزانةٌ، نصفُها خشبٌ ونصفُها تراب، فتحتُها بِهدوء، فسقطت درفةٌ منها على الأرض، بعد أن تَعِبَتْ من التّمسُّكِ بأشلائِها، حفاظًا على ما تُخبّئُ الخزانةُ من ذكرياتِ السّنين. ورأيتُ في داخلِها ثيابًا عتيقة، تسكُنُ بطانتَها جَماعةٌ من الفئرانِ، وتأكلُ بقايا صورة جدّي وسُبحةَ جدّتـي رَحِمَهُما الله.
وداهَمَنا الوقتُ، فَرُحنا نتسلّلُ للخروج، ونَمشي بِخطواتٍ ثقيلة، خوفًا من تَساقُطِ الرُّكامِ علينا، وحُزنًا لِمغادرةِ مقبرةِ الذّكريات.
فرجعنا بصمتٍ، وقرّرتُ أن أتَخرَّجَ مُهندِسًا، فأعود إلى البيت العتيق، وأغسل حجارتَه من غبار الانتظار، وأرفعها مداميكَ وأُشرِّعَ جبهته لذكرياتِ مَجدٍ وانتصار، رافِضًا كلَّ ذُلٍّ وانكسار.
وحتّى ذلك الحين، هذا بيتُنا الذي شرَّدَتْنا الحضارةُ الزّائفةُ من سريره العجوز، وأسكنتْ في ثقوبهِ طيورَ الفضاء، وفي طاقاتِهِ نعيبَ بومة.

من كتاب: جزءٌ من اللهِ... أنا!
(فلسفة في الوجود)
تأليف: فوزي عساكر (1997)

 part_god

الموضوع 22 _ (علاقة الألوهة بالديانات عبر الأزمنة_صفحة82)

منذ القِدَم، والإنسانُ المادّي ينظر إلى فوق، إلى النور، إلى الأضواء البعيدة، إلى المطر والعواصف، إلى الوحوش الضارية، وإلى مَن وراء كلّ هذا، مذهولاً حائرًا، ويصنع التماثيل تكريـمًا لإلهٍ مَجهول، هو سبب وجوده. هذا قبل أن يتعرّف إلى الديانات السماويّة الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة.
تُرى ما الفرق بين عبادة الإنسان في تلك الأزمنة، وعبادة الإنسان اليوم، وأين تكمن الأُلوهة في كلّ عبادة؟ بل كيف اتّصلت الألوهة بالإنسان المادّي من خلال تلك الديانات وديانات اليوم عبر الأزمنة؟
الألوهة لم تنظر يومًا إلى مسيحي يرسم إشارة الصليب، أو مسلم يتوضّى ويتّجه في صَلاتِهِ صوبَ مكّة، أو إلى يَهوديّ ما زال ينتظر مسيحَهُ صاحب المملكة. ولا حتّى تنظر الألوهة إلى عُبّادِ الأصنام وتُفرِّق بين كلّ هؤلاء. فالإنسان ابن بيئته، وحيثما خُلِقَ يسيرُ في تيّار عادات وتعاليم بيئته. ولكن هل هناك مَن يصل إلى الألوهة باسم دينه أم باسم أعماله؟
لم تكن الأديانُ يومًا تذكرةَ دخولٍ إلى السّعادة الأبديّة والاتّحاد بالألوهة. لأنّ الإنسانَ في أيّة ديانةٍ وُجِدَ، عبدَ الإله الأوّل أو الإله الأكبر أو الإله الوحيد الذي خلقَ كلَّ شيء، بِغضّ النّظر عن تسمية الإله بأسـماء مُختلفة. فالذي عبدَ الصّنمَ في زمن الحيرة، إنّما كان يعبد الله الذي نعرفه أو ما يُسمّى بالألوهة المتّحدة الكليّة الوجود، لأنّه كان يؤمن أنّ للأشياء والكون والإنسان مصدرًا أقوى من الطبيعة الماديّة، فكان لذلك يتوجّه بالعبادة صوب هذا المصدر ساجدًا، وآذان الله تسمع.
إذًا، لا يـحدّ بين الإنسان المادي والألوهة ديانة أو قبيلة أو عرف، فالكلّ من طينةٍ واحدة ومعدن واحد، وسيتّحدون يومًا في روحٍ واحدة هي روح الله الأزلي.
وبِهذا تكون علاقة الألوهة واتّصالـها بالديانات عبر الأزمنة، قد تَمّت بسهولة وبدون تعقيد، وبِحسب مفهوم الإنسان المادي ومَنطِقِه المادي أيضًا. وغدًا يوم ننتقل من حياة الجسد إلى حياة الروح، سنتّحد كلّنا في كمال الألوهة، حيث لن يُفرَّقَ بين الناس بِحسب العِرق والديانات. وإذا كان المسلم قد عبد الله في النبيّ، والمسيحي في المسيح والأنبياء والقدّيسين، واليهودي في التوراة، فالذي عبد الصنم في ذلك الزمان، إنّما عبدَ الله في الصنم لأنّه آمنَ جيّدًا أنّه تِمثال لإله آخَر، لم يَرَه، ولكن تعرَّفَ إليه بطريقته.

من كتاب: إبتسِمْ... دائِمًا
(سلسلة الرّاقي في المطالعة والتعبير)
تأليف: فوزي عساكر (2002)

 smile_always

القصّة الثالثة: (مثلّث برمودا - صفحة 35)

هناكَ مقابل الولايات المتّحدة الأميركيّة، وفي صميم المحيط الأطلسي، نقطة اللقاء بين الشّرقِ والغرب، بين القارات القديـمة والقارّة الجديدة، تكمنُ الخفايا والأسرار التي تُذهلُ العقلَ البشريَّ منذ فجر الحضارة.
إنّه مثلّث برمودا في المحيط الأطلسي ذات المساحة 770 ألف كلم2 ويَحتوي على أكثر من 3000 جزيرة. وأمّا الرّأس الشّمالي لِهذا الـمثلّث فهو جزيرة برمودا المستعمَرة البريطانيّة تتكلّم الإنكليزيّة وعاصمتها هامبلتون _ والرأس الجنوبـي الشرقي في بورتوريكّو: إدارته عسكريّة أميركيّة تتكلّم الإسبانيّة والإنكليزيّة وعاصمته سان جوان- وأمّا الرّأس الجنوبـي الغربـي للمثلّث ففي ميامي بِفلوريدا.
هناك في العام 1988_ اختفت السّفينة الإنكليزيّة ATLANTA وهي في طريقها من برمودا إلى بريطانيا، وكان عدد طاقمها 290 فردًا. وقبل تلك الحادثة، في الخامس من كانون الأوّل 1945- أقلعَ سرب مكوَّن من خَمس طائرات من طراز «أفنجر» من قاعدة «لودرال» التابعة للسلاح الجوّي الأميركي إلى منطقة «جريت أستير أبكامي» وفجأةً أرسلَ قائد السّرب شارل تايلور رسالة إلى القاعدة بصوتٍ مضطرب يقول فيها: «_ نَحن لا نشاهد الأرض، ولا يُمكننا تَحديد اتِّجاهنا، وحتّى الـمحيط من تَحتنا يبدو غريبًا للغاية.»
وتكرّرت الحوادث... ففي الثالث من شباط 1947- اختفت طائرة حربيّة من طراز C-56 بِكامل طاقمها المكوَّن من ستّة أفراد، بينما كانت تطير في مهمّة استطلاعيّة من برمودا إلى «بالـمبيتش». وكانت آخر رسالة وصلت من الطائرة وهي تُحلّق على بُعد مئة ميل من برمودا. ولم يُعثَر على الطائرة أو على سبب اختفائِها.
وحادثة أُخرى في شباط 1952_ حيث اختفت طائرة ركّاب إنكليزيّة_ وفي 28 آب 1963_ اختفت طائرتان من طراز KC135 تابعتان لسلاح الجوّ الأميركي، وفي 11 كانون الثانـي 1967_ اختفت طائرة الكارجو YC122.
وأمام هذه الأحداث الغريبة، وقفت التكنولوجيا حائرةً، بعد أن كانت تشمخ في اعتزاز لاكتشافها مَجاهل عديدة، وأصبحت الأرض مدينةً لإنسانٍ يتعرّض في كلّ لحظة إلى مصيرٍ مَجهول، مرّةً في مثلّث برمودا، ومرّة أُخرى في مصادفته لغزو الصّحون الطائرة في كلِّ مكان. فماذا هناك، وما هي خفايا مثلّث العجائب في برمودا، وما هي الأجسام الغريبة المستديرة الشّكل التي تشبه صحونًا تطير في الفضاء، وشاهدها عديدٌ من الناس.
ففي أوائل صيف 1993_ وعلى شرفةِ منـزلي مقابل الشّاطئ، وحوالي الساعة الثامنة مساءً، فيما بدأ الليل يسدل ستاره على الأرض، بدأتْ تومضُ في الفضاء أنوارٌ كشعاع سيّارة الإسعاف، فتجعل التِّلال والسّهول والشّاطئ نَهارًا ولِنصفِ ساعةٍ تَمامًا، حتّى ظنَّ الناس أنّ أُعجوبةً ستحصل بين لحظةٍ وأُخرى. وجثا الجميع يصلّون ويُمجِّدون الله_ وما أكثر الذين يُمجِّدون الله في لحظةِ الخوف_ وبعد نصف ساعة اختفت الأنوار مُتّجِهَةً بسرعةٍ هائلة نَحوَ الشّمال (شـمال لبنان)، فظهرت من جديد في سهل عكّار، واختفت لتظهَرَ في روسيا شَمالاً، وتتوقّف لبعض الوقت، فيظهر صحنٌ طائرٌ ويترجّل منه رجلٌ مُزارعٌ كان قد خُطِفَ من حقله منذ سنة، وفَقَدَ الجميع الأمل في البحث عنه، وهناك التفَّ حوله جَماهير من الناس يسألونه ماذا جرى خلال سنةٍ من الغياب، ويستفسرون عن هويّة الصّحون الطائرة. فارتاحَ واستسلمَ لسُباتٍ عميق لِمدّة ساعةٍ ونصف. والـمتحلّقون حوله ينتظرون بِفارغ الصّبر، لِمعرفة مكان احتجازه منذ سنة، وأوصاف هذا المكان. وبعد صبرٍ طويل وانتظارٍ شاقّ، أفاق من نومه مرتاحًا فأخبرَ ما جرى وقال:
_كنتُ هناك في مكانٍ بعيد بين النّجوم، هناك أرض أُخرى لا أعرف اسْمَها ولكن تعرّفتُ إلى شعبِها الذي هو صديق شعبٍ رَحَلَ من هنا وانقرضَ بسبب الطّوفان.
وتابعَ والجميعُ بِشغفِ الاستماع إليه، وهو يُخبِرُ ويُسهِبُ في الحديث وقد امتلأ صدره بِما يُخبرُنا. فأردفَ قائلاً:
_ نعم، ومن هناك نرى بِوضوح مثلَّث برمودا الـمواجه إلى الكوكب الآخر الذي حَملتني إليه الصّحون الطائرة منذ سنة.
والحكاية أنّه قبل طوفان نوح الذي أودى بِحياة كلّ سكّان الأرض، كانت الأرض مَوطِنًا لشعوبٍ تُسمّى بأنصاف آلِهة، من حيث الشّكل الضّخم والقوّة التي يتميّزون بِها، والعقل الـمُشرِق الذي تَوصّلَ إلى اكتشاف ما نَحن اليوم على عتبة اكتشافه أو ما لـم نكتشفه بعد. وباعتقادنا أنّ ذلك الإنسان لم يكن متطوِّرًا، وفقط نَحن أرباب التطوُّر في الأرض. ولكنّ ذلك الإنسان توصَّلَ إلى كواكب أُخرى مأهولة في مَجموعةٍ شَمسيّة قريبة مِنّا، وتَمَّ الإتّصال بين الشّعبين والتّعارُف، والتعرُّف إلى أسرار مكوّنات كلّ منهما ومن كوكبيهما.
وخصّصَ إنسان الأرض مَحطّةً متطوِّرة مُمَغنَطة في المحيط الأطلسي حيث مثلّث برمودا، كمحطّة اتّصال بإنسان الكوكب الآخر، بِحيث كانت الرّحلات الفضائيّة متبادَلة بين الأرض والكوكب الآخر، وبين أنصاف آلِهة الأرض وإنسان الكوكب الآخر، بواسطة الصّحون الطائرة، التي يَملكها الشّعبان.
وعندما حصل الطوفان في عهد نوح، هلكَ كلُّ سكّان الأرض ومَن كان هنا من سكّان الكوكب الآخر، وأمّا بعض سكّان الأرض الذين كانوا في رحلةٍ فضائيّة إلى ذلك الكوكب، فلم يَهلكوا، ولكن ظلّوا هناك بانتظار انتهاء الكارثة.
وعندما انْحسرَت المياه، وهَمَّ إنسان الأرض الـمُهاجِر إلى الفضاء بالعودة إليها، حصلت عوامل طبيعيّة، زلزلت الأرض ودمّرتْها وغيّرت معالِمَها، وزال كلّ أثر لإنسان الأرض وما استخدمَهُ من وسائل لِحياته على كوكبنا هذا.
وانطلقَ نوح ومَن معه من أهل بيته إلى حياة جديدة بدائيّة، وبوسائل مُختلفة وطُرُق عيش بسيطة. وأخذَ شعب نوح على مَرّ السّنين، يتكاثر وينطلق من جديد إلى سيرةِ الاكتشافات، معتقِدًا أنّه الأوّل في اختراع ما يُحقّقه من اختراعات، إلى أن توصّلَ إنسانُنا الحاضر إلى كلّ هذه الاختراعات.
وأمّا أبناء الأرض الذين كانوا في رحلةٍ إلى الكوكب الآخر، فظلّوا هناك، يراقبون الأرض من نافذة مثلّث برمودا، وأحيانًا بواسطة الصّحون الطّائرة التي تنقلهم وتنقل أبناء الكوكب الآخر أيضًا في رحلات مشتركة للتعرُّف علينا كسكّان جُدد للأرض.
وأمّا عن حوادث اختفاء الأجسام التي تَمرُّ فوق مثلّث برمودا في أوقات تَختلف عن أوقات أُخرى، فلأنّ نافذة الاتّصال بين الأرض والكوكب الآخر، ما تزال في مثلّث برمودا الذي غرقت فيه أجهزة اتّصال مغناطيسيّة بِمُنتهى التطوُّر. وفي الوقت الذي فيه يَحصل التنظير من الكوكب الآخر إلى الأرض عَبرَ برمودا، تشتدّ القوّة الـمُمَغنَطة وتَجذب كلّ الأجسام المعدنيّة والخشبيّة وغيرها في اتّجاه عامودي عُلوي، يَجعل تلك الأجسام تتوه في الإتّجاه الـمجهول، ولقوّة الجذب الـمغناطيسي، تفقد أجهزة الإتّصال الأرضيّة خطّ الاتّصال بأبراج الـمراقَبة وغُرَف العمليّات، بسبب التّشويش ذات التردُّدات العالية، وهكذا تَختفي الأجسام الأرضيّة في هذا الحقل المغناطيسي، فتصل إلى الكوكب الآخر لتُجرى عليها التّحاليل والاختبارات، إنْ كان لِجهة المادّة المكوِّنَة للأجسام الأرضيّة أو لسكّان الأرض الجُدد.
وما زال إنسان ذلك الكوكب بالاتّفاق مع مَن بقيَ من سُلالة أنصاف الآلِهة، يُحاولون الاتّصال بإنسان الأرض وإيـجاد صيغة اتّفاق تفيد كُلاًّ من الطرفين. وهذا ما حصلَ معي _ يقول الـمُزارع _ فلم أتعرَّض للأذى خلال اختطافـي إلى الـمجهول الذي رأيتُه تَمامًا وتَمتّعتُ بعد الخوف، بأمان العلاقة بالإنسان الآخَر.
فإنّ تكوينَهم مثل تكويننا تَمامًا من اللحم والدّم، ولكن يَختلف الشّكل. فهُم أيضًا يعتمدون على الأوكسيجين في الـهواء وعلى الماء لِحياتِهم. وهذا ما جعلَ الإنسانَ القديم في الأرض يتوصّل إلى صيغة للعيش معهم.
وأمّا الصّحون الطائرة فهي مركبات فضائيّة تشعُّ حقلاً حراريًّا لِحمايتها من الـهجوم الأرضي أو أيّ هجوم كَونـي آخَر، قد تتعرّض له خلال رحلاتِها.

Contact: aalamyyamag@yahoo.com
Physical Address:
Blat Jbeil-Byblos, Near the Municipality of Blat
Tel & Fax: 961 9 547112 - Mobile: 961 70 988708