Articles

Art in the press

الشيخ فرحان السعدي "المجاهد الصادق" (1860-1937)

مثلما تلتمع النجوم في السماء، هكذا تلتمع الثورة بنجومها أيضا ً. وكما تختلف نجوم السماء في بريقها ولمعانها وتأثيرها، كذلك نجوم الثورة تختلف فيما بينها بريقا ً ولمعانا ً وتأثيرا ً وفعالية. وليس المجاهد الشيخ فرحان السعدي الا احدى هذه النجوم التي لمعت في سماء ثورة 1936 في فلسطين العربية ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني، باعتباره واحد من القساميين الأوائل، وكان له شرف اطلاق الرصاصة الأولى في الثورة المباركة.

ولد الشيخ فرحان السعدي في قرية المزار - قضاء جنين - وتلقى دروسه الابتدائية في قريته ثم في مدينة جنين. وقد نشأ نشأة دينية فحفظ القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، ولذا عرف بالشيخ. وكان موضع احترام معارفه وأهالي قريته والقرى المجاورة لما تحلى به من تقى واستقامة وشجاعة وايمان. عمل الشيخ فرحان في الزراعة. وقد ساءه التسلط العثماني فأخذ يعمل في فضحه وينادي باستقلال البلاد العربية. وحين احتل البريطانيون فلسطين واتضحت نواياهم العدوانية في غرس وطن قومي يهودي في فلسطين، أخذ يقاومهم مقاومة عنيفة، ويقاوم الصهيونيين بنفس العزيمة والتصميم والارادة، ويحث مواطنيه على مقاومتهم.

وعندما نشبت ثورة 1929 قاد مجموعة من المقاتلين في قضاء جنين أخذوا يهاجمون البريطانيين والصهيونيين حيثما وجدوهم، كما تصدوا للحكام بالتمرد والعصيان. فقبضت عليه سلطات الانتداب البريطاني وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات في سجن عكا وسجن نور شمس. ولما خرج من السجن انتقل الى حيفا وعاود نشاطه النضالي. وهناك اتصل بالشيخ عز الدين القسام وعمل تحت لوائه؛ وقد شارك في معركة أحراج يعبد (تشرين الثاني سنة 1935) التي استشهد فيها الشيخ عز الدين ونفر من أصحابه. وقد نجا الشيخ فرحان السعدي من الوقوع في يد القوات البريطانية.

والواقع ، أن أيمان الشيخ فرحان السعدي كان متلازما ً مع وطنيته الصادقة وحقده على البريطانيين والصهيونيين. ولذلك كان قد شارك في المؤتمرات الوطنية والتظاهرات ضد السلطة. ومن خلال ولائه للقسام والعمل تحت قيادته، فانه عقد العزم على الكفاح المسلح بوتيرة أقوى وتصميم أشد، دون أن تحول شيخوخته دون ذلك. وهكذا التحق بالثورة الفلسطينية الكبرى، وكان له شرف اطلاق رصاصتها الأولى.

وفي 17 نيسان /أبريل 1936 هاجم الشيخ فرحان السعدي ورفيقه الشيخ عطية أبو أحمد قافلة يهودية على طريق نابلس - طولكرم، فكان ذلك ايذانا ً ببدء الكفاح المسلح. ثم انتقل بعد ذلك الى الجبال، معتصما ً مع رفاقه بوعورتها وكهوفها يناضلون طوال المرحلة الأولى. وتتابعت أعمال الثورة، حيث أوكل اليه قيادة فصيل "عنبتا - نور شمس"، كما اختير عضوا ً في اللجنة التي كونتها قيادة الثورة لجمع الاعانات.

هذا، ومنذ مقتل البريطاني أندروز، بثت السلطة عيونها تتعقب القساميين حتى تمكنت من القبض على الشيخ فرحان وثلاثة آخرين من رفاقه بعد أن هاجمت القوات البريطانية بيته في قرية المزار. ولما كانت السلطة تعلم أن الشيخ فرحان السعدي هو العقل الأول في العصبة بعد استشهاد القسام، فقد حاكمته محاكمة صورية في ثلاث ساعات موجهة اليه تهمة مقتل أندروز، وأصدرت حكمها بعدها بالاعدام شنقا ً.

رفض الشيخ فرحان السعدي أن يتكلم في أثناء المحاكمة مدافعا ً عن نفسه، فكان هادئا ً؛ وكانت كلماته قليلة جدا ً وجريئة، وعندما سألوه: أأنت مذنب؟ أجاب: "معاذ الله أن أكون مذنبا ً". وعندما سألوه في أثناء مفاجأته في مخبئه والقبض عليه ان كان يملك أسلحة، أجاب بنعم، وبأنه يملك مسدسا ً قديما ً معلقا ً على الحائط في بيته.

هذا، وبنوع من التفصيل، يوضح الأستاذ أكرم زعيتر في يومياته قائلا ً: " انه بتاريخ 23/11 1937 -9 رمضان 1356 نشرت الصحف وأذاعت الاذاعات أن القوات البريطانية قبضت أمس (في 22/11/1937) على الشيخ فرحان السعدي في قرية المزار (جنين)، وأنها فتشت بيته فوجدت فيه بندقية. وقالت: ان فرحان السعدي من اخوان عز الدين القسام، وان المعروف عنه أنه يقود عصابة عربية ثائرة، وقد أحيل لمحاكمته أمام المحكمة العسكرية".

ويضيف أكرم زعيتر قائلا ً: "وقد روعنا هذا الخبر. فما نعلمه أن الشيخ فرحان مجاهد صادق مؤمن ويكاد يبلغ الثمانين من العمر. وعلى شيخوخته فانه ما توانى في جهاد سنة 1929 وسنة 1936 و1937. وما تشير اليه البرقيات أن البرهان الوحيد ضد المذكور هو وجود بندقية في بيته!".

وفي 25/11/1937 -11 رمضان 1356، كان موعد محاكمة الشيخ المجاهد الجليل فرحان السعدي أمام المحكمة العسكرية بحيفا. وقد أصدرت المحكمة المذكورة حكمها باعدام الشيخ شنقا ً بتهمة حيازته بندقية. روعنا الحكم. لعنة الله على الانكليز ما ألأمهم. اننا لم ننتظر ساعة واحدة منذ اتصل بنا النبأ حتى أبرقنا - يقول زعيتر- الى ملوك العرب وأمرائهم، والى الجمعيات العربية والاسلامية ندعوهم الى التوسط لدى المراجع البريطانية العليا لانقاذ حياة هذا الشيخ الجليل الصائم الورع التقي النقي. واستكتبنا الصحف في سورية ولبنان مقالات تنشر في الموضوع. وظللنا حتى ما بعد منتصف الليل ننشغل بالابراق والكتابة والاتصال التلفوني مع اخواننا في بيروت الذين بذلوا من الجهد مثلما بذلنا في دمشق. فهل يستجيب الانكليز لنداءاتنا، أم أنهم في سبيل أحبابهم الصهاينة يقترفون أبشع المظالم؟ (يتساءل أكرم زعيتر). باعتقادنا، أنه كان من المؤكد أن الانكليز لم يستجيبوا لآي نداء عربي -حتى ولو كان من حلفائهم وأعوانهم -، لأن الاستجابة للنداء العربي لا يعني سوى الخروج عن الاستراتيجية البريطانية في دعم الصهاينة وبناء "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين. وهم الذين أصدروا وعد بلفور ومن قبله معاهدة سايكس - بيكو وتقرير كامبل بنرمان لتحقيق هذا الهدف، وأعقبوا كل ذلك بانتدابهم على فلسطين للوصول الى هذه الغاية، والقضاء على كل مقاومة لمشاريعهم العدوانية الاستعمارية الاستيطانية. فكيف لا ينفذون حكم الاعدام بأحد رموز هذه المقاومة المسلحة ضدهم، بعد أن لاقوا على يديه ما لاقوه من عمليات وتحريض على الثورة ضد الاحتلال، فضلا ً عن كونه خليفة الشيخ المجاهد عز الدين القسام وحامل رايته الجهادية؟. وبالفعل، نفدت سلطات الاحتلال البريطاني حكم الاعدام شنقا ً بالشيخ فرحان السعدي، وهو صائم، في 27/ 11/ 1937، في سجن عكا. وقد رفضت السلطات البريطانية تخفيف الحكم عليه أو تأجيل تنفيذه، غير عابئة بالحملة العربية التي قامت من أجل انقاذه. وقد هز هذا التنفيذ مشاعر الشعب العربي الفلسطيني كافة، حيث قال أكرم زعيتر في يومياته بهذا الصدد: "انني لا أعلم بأن استشهاد بطل هز الأمة وأثار مشاعرها بعد استشهاد القسام كما هزها وأثار مشاعرها استشهاد فرحان السعدي. وسيذكر أبناؤنا وأحفادنا أن بريطانيا لم تر من الانسانية أن ترجىء اعدام شيخ جليل صائم الى ما بعد رمضان".

لقد تبرع عدد من المحامين للدفاع عن الشيخ فرحان السعدي. وكانت حجتهم في الدفاع عنه أنه لم يقبض عليه وهو يستعمل السلاح، وأنه قد ذكر من تلقاء نفسه بأنه يملك مسدسا ً، كما أنه أكبر عمرا ً من أن يتمكن من القيام بأي عمل حربي. الا أن المحكمة العسكرية لم تأخذ بأي من هذه الحجج، ونفذت حكم الاعدام به شنقا ً الحكومة العسكرية لم تأخذ بأي من هذه الحجج، ونفذت حكم اعدام به شنقا ً – وهو صائم - ليكون "عبرة لمن يعتبر". الا أن النتيجة جاءت عكس ما توقعته الحكومة وتوخته، لذ لم يحدث في تاريخ البلاد أن أعدم شيخ في مثل عمره، وفي شهر رمضان. كما أعدم معه مجاهدين من طولكرم هما: محمد سليمان أبو طاحون، وعبد الرحيم جابر.

وهكذا أدى اعدام فرحان السعدي الى انبعاث الحماسة الجماهيرية الثورية من جديد. وقد اشتهرت حادثة الاعدام هذه الى درجة أنها طغت على دوره الكبير، وعلى حقيقته كباعث رئيسي من بواعث الثورة، الا أن رفاقه يعترفون له بذلك، حيث لقبه المؤرخ القسامي صبحي ياسين "بالمجاهد الصادق"، كما ذكر بأنه "خليفة الشهيد القسام وأول من أطلق رصاصة سنة 1936".

والجدير بالذكر، أنه في الثاني من شهر كانون الأول/ ديسمبر 1937 (أي بعد خمسة أيام من اعدام الشيخ فرحان) تألفت في فلسطين عصابة كبيرة باسم "اخوان فرحان"، وجعلت لها فروعا ً في مختلف البلدان.

وفي 20/12/1937، أخذ تنظيم "اخوان فرحان" يقود العصابات الثائرة في فلسطين. ولكثرة المجاهدين الذين التحقوا بهذا التنظيم، فقد رأى قائده أن يتفرع عنه ثلاث عصابات تجاهد في أماكن مختلفة: الأولى بعث بها الى جهات طبرية قرب قرية حطين المشهورة بمعركتها، وقد اصطدمت هذه العصابة بدورية من البوليس اليهودي واستطاعت أن تأسر أحد أفراد البوليس الاضافي وأن تستولي على بندقية وحصانه وخمسين رصاصة، وبعثت الأسير الى مقر العصابة لتجري محاكمته بتهمة الوقوف في وجه الثوار. وقد اعترف البلاغ الرسمي بأن البوليس المذكور لم يعد. أما العصابة الثانية فانصرفت الى جهات عكا، وعلى مقربة من قرية شعب، وبعد منتصف الليل اقتربت من الحدود وتبادلت وبوليس الحدود اطلاق النار فجرح بوليس انكليزي بجرح بليغ، واستشهد في سبيل الله الشاب الباسل المغوار السيد توفيق محمد نصار المكنى بأبي نصار من قرية الجيب. أما العصابة الثالثة فقد قامت بحركتين: أولاهما، مهاجمتها خزان المياه الواقع بين شفا عمرو وعكا، فهرب خفراؤه واستولت على ثماني بنادق وألف طلقة نارية ثم سارعت الى الاختفاء. وفي الصباح الباكر من 19/12/1937 أطلقت عدة عيارات نارية على باص يهودي فقتلت أحد ركابه المدعو اسحق مالار، كما أطلق عربي النار على اليهودي الألماني فرنان لس في القدس فأراده قتيلا ً.

ومهما يكن من أمر، فاننا لا نستطيع الا أن نقول ان الشيخ فرحان السعدي يختصر القضية الفلسطينية كلها بكلمته التي أجاب فيها على السؤال: أأنت مذنب؟ بقوله: "معاذ الله أن أكون مذنبا ً". انه بهذا الجواب يمثل الشعب الفلسطيني كله، انسانا ً وتاريخا ً وقضية ومستقبلا ً... كما يثبت أيضا ً أن "المذنب" هو المحتل، أيا ً كان جنسه ولونه ودينه. ولا يمكن لنا أن نتوقع مرة أن يعامل المحتل انسانا ً مقاوما ً له، وشعبا ً مجاهدا ً، معاملة انسانية. لأن هذا المحتل لا يعرف الانسانية، ولا وجود لها في قاموسه لأنها تتعارض مع كونه محتلا ً، ومع طبيعته الاحتلالية العدوانية.

لذلك، فقد آمن الشيخ فرحان السعدي بمصيره، ايمانه بربه ووطنه وقضيته، وواجه المحتلين والمغتصبين بشجاعة وصلابة وتحد. وبنفس المقدار، كان مقتنعا ً (السعدي) بينه وبين نفسه أن رفاقه سيتابعون الطريق ويكملون المسيرة لأن القضية هي أكبر من كل القيادات والأشخاص، وليست مرهونة على الاطلاق بشخصية قيادية مهما كان شأنها... ولو لم يكن فرحان السعدي عظيما ً وذا دور وفعالية وتأثير، لما أقدمت قوات الاحتلال على اعدامه في شهر رمضان المبارك، وهو صائم.

فكما كان عظيما ً في حياته، فقد كان عظيما ً في استشهاده، وسيبقى بعد هذا الاستشهاد عظيما ً أيضا ً، لأنه سيستمر في دم الأوفياء والقضية، طالما هناك قضية وشعب ووطن مغتصب ومحتل.

الدكتور صالح زهر الدين - موسوعة رجالات من بلاد العرب