Wahib Kayrouz
- Comments on Gibran Khalil Gibran paintings
لوحة "
من الهيولى حتّى الصَّمت" (مائيَّة.المرحلة
الرَّابعة: 1923-1931)

قد تكون نواة فكرتها فـي "
المولودة عارية". وأكثر تفاصيلها في حركة البلورة موضوعاً وتقنيّةً.
رأينا الّلطخة أو الخطّ أو الإنطباعة توحي الحركة إيحاءً. الجديد
في هذه المائيَّة الممتدَّة آفاقها من الغمر الّذي توحيه خلفيّتها
إلى الرّوح البريئة من أيِّ كثافة، هو أنَّ الطّبيعة الضَّاربة
حتّى السَّديم الهيوليّ حبلى بالكائنات البشريَّة.
أتراه جبران، بعد التّقصّي العميق والطّويل لصورة الإنسان، يروح
يختصر المسافات فيوحي الهيولى ويجسّد ما هو أرقى من الشّكل؟ الخلق
اختصار. وكما قوّة الخلق هي في التّجسيد فهي أيضـاً في الإيحاء.
وهكذا قوّة الشَّكل في ما يقوله ممتلئ التّعبير وإن جاء خاطفاً،
بالغ الوضوح في أبسط الملامح وبعيدَ الإيحاء في ألطف الهمسات.
العبقريَّة الشَّكلانيَّة تبلغ مجدها في الشّاعريَّة. ذاك هو جبران
في ما انتهى إليه بعد تجارب عميقة وصادقة.
هذه الرؤيا، للوهلة الأولى، تبدو غريبةً بين أفقيها: السَّديم
والرّوح. ولكنَّ تعقّب الملامح واللّمسات الدَّقيقة في أعلاها
مروراً بوسطها حيث الفوران يبلغ أوجه فتبرز بالضّوء، يقظةُ الضّوء
في الكائنات البشريَّة حتّى الرّوح البالغ السّكون، يوقفُ المتأمّل
على غصّة النّور في هيولى توَّاقة إلى الشَّكل، كما في شكلٍ يظهرُ
بنوره الّذي فيه ويواصلُ في صراعه ليتحقّق أكثر فأكثر، كما في
مثاله المكتفي نورانيّةً وقد بلغ الصَّمت.
لوحة "
التّطهّر الرّوحي والمعبد الكونيّ" (مائيَّة.
المرحلة الرَّابعة:1923-1931)

من أفق الشّرّ إلى الأزرق
اللاّمتناهي تتعاقب رؤيا التّطهّر الرّوحيّ. ... وكلّ التّفاصيل
والحالات تبرز واضحة. والرّيشة المائيَّة تتناهى دقّةً في التقاط
التّحوّلات في ألطف حنياتها وأدقّ همساتها الرّوحيَّة الجوّانيَّة.
وإذا التَّوازن يدرِّج كلَّ الآفاق، وإذا الحكمة في التّسامي تبثُّ
السَّلام، فلأنَّ هذه الرّؤيا ارتاحت إلى بلوغها فعلَ الحياة
السَّتير في داخلها. وهو فعل الحكمة الرّوحيَّة. وهكذا تتسامى
الآفاق متناغمة.
أفق الفساد-الحيَّة الرّمز المألوف والبارد. الأفق الرّماديّ-آثار
احتراقٍ كونيّ سقط معه الهشّ من الإنسان. أفق الإنسان-الرّوح
المتطهّر وقد عرف محجّته: المعبد. تبدأ الولادة من الدَّاخل.
المرحلة الثصَّانية يؤدّيها العددان: إثنتا عشر وسبعة. لعلَّ
الأوّل هو رمز كلّيَّة التّنوّع في الوحدة الكلّيَّة. إنَّه رمز
حركة قد تكون دائريَّة جموديَّة حول محور. لكنَّ جبران ركَّز
مفهومه للحياة وكلّ ما يواكبُها على التّصاعديَّة فإذا
الدّورانيَّة لولبيَّة. وهكذا جاء السلّم إلى المعبد سبع درجات.
وهكذا تداخل العددان فأوحيا الحركة المتوازنة الطَّاقات ولكنَّها
صاعدة. وهذا ليس تجريداً رياضيَّاً. إنَّه حياة شاعريَّة أيضاً.
فاللّون-شعر الحياة- يتدرَّج كذلك من الأبيض الموشَّح ببعض ملامح
العالم الكثيف في أشخاص طرفيّ الدّائرة، حتّى الأبيض النّقيّ في
الشَّخص الّذي بلغ الهرمونيا الذّاتيَّة وهو على الدَّرجة الخامسة.
هذه الرؤيا كونيَّة وإنسانيَّة صاعدة بحكمة عميقة. وهذه الحكمة هي
مصدر التّوازن وهندسة الآفاق. وهذا المصدر هو في الأرواح المتطهّرة.
والحمام- رمز الرّوح – يوحس تجلّيه كما أنَّه فوق، في الأزرق
اللاّمتناهي، أرواحٌ موشَّحة بالغمام الأبيض. ويغدو الكون روحاً
واحداً شاملاً ينظِّم حركته بحكمةٍ روحيَّة تتصفَّى فتخلق كوناً
جديداً.
لوحة "
الصّلاة " (مائيَّة. المرحلة
الرّابعة:923-1931)

" وهل الصَّلاة غير اتّساع ذاتك في
الأثير الحيّ".
لوحات " النّبيّ" ومنها هذه الّتي تمثِّل فصل " الصَّلاة" تلملمت
فيها الشَّموليَّة وبلغت البساطة رهافتها النّسيميَّة لتصبح رؤئً
باطنيَّة صرفة. وهل من بساطة دون النّور؟ لم يبق أمام جبران، في
خلقِها، سوى الماء المشعشع أو نور
الورقة. وهذا المناخ ليس إلاّ لتأتي الرؤى فريدة الوضوح في تراث
النّورانيَّة الصّوفيَّة. وآخر ما يسعُ الماء فعله هو تجسيد حياة
النّور رهافةً بسيطة. فالرّوح يوحّد آفاق الحياة في التّجوهر
والتَّوازن الصَّاعد لتأتي الرّؤيا متناسقة الحركة والإيقــاع.
فمـاذا تقـول هـذه " الصَّلاة " ؟
ليس " اتّساع الذّات في الأثير الحيّ " وحده المقصود. إنّما تواحد
الرّوح المصليَّة والأرواح الّتي في نفس الحال والأرواح الّتي في
الأثير الحيّ. فالثّلاثيَّة التّوحيديَّة المهرمِنة هي الّتي ترمز
عن فعل الصّلاة في ذاته. ثلاث أيدٍ، وثلاث أرواح في ثلاثة آفاق:
الطّبيعة وقد لازمتها أجسام المصلّين، الأرواح المصليَّة، والغمامة
المليئة بالأرواح تلتمّ ونقرأ ارتعاشاتها في انحناءات بإتّجاه نقطةٍ
معيَّنة. الهندسة الخارجيَّة تأتي عن هذا العقل الباطنيّ الآتي إلى
الوعي. وتضمحلّ الكلاسيكيَّة العقلانيَّة. وتسقط كلّ تكسّرات
الخطوط لأنَّ نغم الحركة الجوانيّ هو النّور الحقيقي ومثله أصبح
الماء أناقةً وتموّجاً حنون يرسم الحنية بمرونة... والخطّ يغنّي.
في هذه الهرمونيا ندرك ملامح دوائر متراكزة. دائرة الأرواح حول
النّقطة المعيَّنة الّتي هي فعل الصّلاة الحقّ. هذه الدّائرة تنفرج
على دائرة الغمامة الّتي بدورِها تلتمّ حول نفس النّقطة المركزيّة.
وهكذا كلّ حركة من الأجسام في الأسفل حتّى الأزرق اللاّمتناهي تلين
أكثر فأكثر وتسلّم نفسَها إيقاعاً لطيفاً لسواها. وقدر انحنائها
صوب الدّاخل تأخذ بالإتّساع نحو الخارج في عالمٍ لامتناهي الإشراق
والشّفافيَّة.
لوحة " وجه
النّبي " (فحميّة. المرحلة
الرّابعة:1923-1931)

... وتنزل الرّؤيا الأسكاتولوجيَّة إلى
الذّات الإنسانيَّة. وتقابلها أشواق الحياة المتبلورة في الإنسان.
نزول الرّؤيا تنزيل الأزليَّة: النّور المطلق. وفي صعود الحياة توق
الوعي إلى الأزليَّة. وبين الإثنين يولد، في نتاج جبران " وجه
النّبيّ". فيه تلتقي الأبعاد الإنسانيَّة وخلاصة التّجارب
الفنّيَّة الّتي عاشَها. هنا تكمن كلّ الصّعوبة في خلقه. إنَّه
كالكتاب زبدة كلّ المعاناة والجهد المبدع.
لعلَّ وراءَه نماذج عديدة إلاّ أنَّ أبرزَها وجه صاحبه " المصطفى "
متكيِّفاً مع وحي لامتناهي الأزليَّة. وفيه يتبادع الواقع والرّؤيا.
وتبادع كونويَّة الإنسان والنّور الأزليّ، أتراه سبب انصراف جبران
أكثر ما يكون للفحميّ في نتاجه طيلة حياته، ويؤدّي به، خصوصاً "وجه
النبي"؟ ولعلَّ حلم جبران الصّوفيّ، النّورانيّ هو بلوغ البساطة في
آخر رهافتها. وها هي تقتصر على ورقة بيضاء وملامح أظلال.وتنفذ إلى
سرّ النّور الّذي يشرق في العالم، ولطافة العالم الّذي يتروحن
بالنّـور. ورقـة بيضاء لامتناهية. وهمسات قلمٍ مرتعشة. العالم، في
أناقته، في لمساتٍ دقيقة، حنون، شاعريَّة، شفّافة يغتسل بالضّوء
كأنّه لا يريد أن يبقى من العالم فلا يبقى إلاّ في ملامح حضور.
فالخطوط تهمّ ألاّ تبقى خطوطاً فتلين، ترقّ، وتحنّ إلى التّناغم في
استدارة. وتعانق نور الدَّائرة النّسيميّ الهمس الّذي يوحي الرّأس
وليس رأساً. إنَّه ونور الأزليَّة الآتي من بعيد امتدادٌ أبيض وقد
انفرج على اللاّنهاية. واللاّنهاية ليس لها إلاّ حضور شفّافٌ في
عينين أمسَتا آتيتين منها، وفي شفتين كأنَّهما ظلال الكلمة. وهكذا
"وجه النّبيّ " حضور في العالم وكأنَّه ليس من العالم. وجمال
العالم في الوعي الّذي يعكس اللاّنهاية أتراه يتبرّأ من أيِّ ملمحٍ
من ملامح القوّة فيغدو لطافةً أنوثيَّة لا قدرة لها إلاّ قدرة
الكلمة في رسالةٍ أورفليسيَّة؟ أتراه هذا هو السَّبب لوجود ملامحَ
توحي معالم كآبة؟
لعلَّ " المصطفى " عارف في ذات ذاته أنَّ لا نهاية الجمال ولا
نهاية النّور يذيبانه فيتطهَّر مقدّماً ذاته للنَّار... والنّور.
" وجه النّبيّ " لم يعط له أن ينفذ إلى كيانات أجيال على سطح أرضنا
لو لم يكن رؤيا تواحدت، في تكوينِها، أبعادٌ لامتناهية وواكبها
القلم معانياً طيلة ستَّة أعوام فجسَّد هذه الرؤيا ثلاث مرَّات بين
1920و 1926.
ونختم هذه القراءَات الّتي أوصلتنا إلى " وجه النّبيّ " بكلمات
لجبران دوّنتها ماري هاسكل في يوميَّات 16 حزيران 1923:
" ألم أخبرك كيف رأيت وجه النّبيّ؟
ذات ليلة كنت أطالع كتاباً وأنا في فراشي. تعبت. توقّفت وأغمضت
عينيَّ... وأثناء هذه الغفوة رأيت ذاك الوجه واضحاً جليّاً...
ودامت الرّؤيا على وضوحها دقيقة أو دقيقتين ثمَّ اختفت.
و"النّبيّ" كان محاولة منّي لإعادة رسم "وجه يسوع". وما أكثر ما
عانيت في "النّبيّ". أكون مع صحبٍ إلى مائدة... وإذا بالوجه
يتراءَى فجأةً... فأرى منه ظلاًّ أو خطّـاً معيَّناً... فأتمنّى...
الذّهاب الآن إلى المحترف لأضع هذا الخطّ مكانه في اللّوحة. وأكون
أحياناً نائماً... فأستيقظ فجأةً وقد اتّضحت لي تفاصيل جديدة فأنهض
وأرسُمُها".