Wahib Kayrouz
- Comments on Gibran Khalil Gibran paintings
كيروز، وهيب: عالم جبران الرسَّام... مدخل إلى أبعاده الفنيَّة
" أيــّها
الفن...الغريب بأعماله ، السامي بجماله وأسراره.
أنت شبح من مقدرة المبدع الأزلي في نفوسس النوابغ المبدعين.
أنت روح الله المرفرفة بين قلوب البشر والـلانهاية.
أنت فكرة مستيقظة في هذا العالم النائم بحراكه...
بأصابعك الخفّية تتناول العناصر وتكوّن منها صوراً وأجساماً
وأنغاماً تبقى جميلة الى النّهاية.
إنّ العدم يصير وجوداً عندما يمرّ أمامك.
والّلاشيء يصبح شيئاً إذ يلامس أطراف أذيالك.
... تلامس الزمن ... فينقلب تماثيل منتصبة أمام وجه الأبديّة.
تتنفس في الهواء فينسكب خمرةً علويّة من بين شفاه المغـنّين وأصابع
الموقّعين.
ترتعش بين دقائق النّور فيسيل مع الحبر على وجوه الأَسفار.
تتناول أشعّة الشّفق وألوان قوس قزح وتبتدع منها صوراً ورسوماً .
أمام عرشك تظلّ الأجيال واقفةً ، مستيقظةً ، مترنّمة. وما مضى منها
يبقى حاضراً بحضورك ، وما سيأتي يطوف الآن مرفرفاً حول أذيالك.
إنّ مجد الأمم يبقى ما بقيت ، ويذهب إن ذهبت لأنك من حياة الأمم
بمقام القلوب من الاجساد.
وإذا كان التاريخ مرآة العصور ، فأنت اليد التي جلت وصقلت أديم تلك
المرآة.
وإن كان العلم سلّماً ترفع الانسان الى ما وراء الكواكب ، فأنت
العزم الذي يبني ويُبقي درجات تلك السلّم.
وإن كان الدّين شعر الحياة ، فأنت الوزن الذي يجعل لذلك الشّعر
رنّةً في الصّدور ونغمةً في القلوب.
نحن نرى مجدك أيها الفن ، ونسمع أناشيدك ، ولكننا لا نستطيع ان نخطّ
حرفاً من حروف اسمك حتّى تلامس أصابعك أصابعنا. ولا نقدر أن نتكلم
عن جمالك الاّ اذا غٌمست ألسنتنا بخمرة جمالك. فأنت بنفسك مـظهّرٌ
لنفسك. ونحن ، بقوة الحبّ الذي وضعته في أعماقنا ، نقترب من محبة
القّوة التي وضعها الله في أعماقك.
...جعلني أيها الفنّ خادماً من خدّامك المتسلّطين على الحياة ،
وصيّرني جندياً من جنودك المنتصرين على الدهور.
وألمس نفسي بشعاعك لعلّها تقترب من مبدعها ومبدعك”.
جبران - باريس : 1910( كلمات مختارة)
لوحة "
الخالق والقوس والأسهم " (مائيَّة .
المرحلة الرَّابعة : 1918-1923)

... وتصل الرّؤيا إلى آخر أفقٍ لا
متناهٍ . واللّوحة عرفنا موضوعها " خلق البنين " كما يقولُهُ فصـل
الأبناء في كتاب " النبيّ " . واسم اللوحـة : " الخالق ، القوس
والأسهم " يساعدُنـا علـى عيش مناخِها " الأثيريّ الحيّ " و "
الموشَّح بالغمامة " كما يقتضي رئايةً من اتّجاهٍ آخر . ونبدأ
بالأزرق اللاّمتناهي حيث " القدير " فوق الغمامات المتراكزة، ويرفع
، في فعلِ حبٍّ توحيديّ ، المحبّين الأزواج في شكلِ قوس . وهكذا ،
من فوق ، الواحد يسمو بالأثنينيَّة ... والحبّ يوحّد ...
والدَّائرة سلام . لذا :
الرّؤيا ، هنا ، تبدأ من رأس الهرم : " القدير ".
تنزل إلـى أفق الغمامات المتراكزة.
وتبلـغ تواحد المحبّين وقد تعرَّوا بنار الحبّ والصَّفاء اللّذين
هما نار وصفاء " القدير " ذاته . و" القدير " توازنٌ دون قياسات ،
جبروت غير منفعل ، امتلاء . والشَّفافيَّة منتهى وضوح القدرة ...
وعيناه أبعد من القوس الّتي بيده . إنَّهما تخترقان اللانهاية .
والعبقريَّة هل من تحدٍّ لها أكثر صعوبةً من خلق الشَّفافيَّة
كاملة القدرة ؟ هنا الفرادة الجبرانيَّة . إنَّها الغرابة في
ابتعادها عن المألوف في أيِّ فنٍ رؤيويّ . وهي منتهى البساطة :
الخطّ مائيّ ، نورانيّ . إنَّه الحنية الأنيقة والمرنة .
المائيَّة فـي الإبداع الجبرانيّ ، هي الرّحم الفنيّ في كيانه كما
هي شاغل لاوعيـه فـي تقصّيه عصارة كيانـه . أوَليست هـي
الدَّائريَّة فـي القوس وتناغم التّواحـد ونداوة الحنيـة ؟ و "
القدير " محدّقاً إلى اللاّنهاية ، والقوس مستجيبةً لرغبته ، ألا
يوحيان وجود الأبناء الّذين هم الأسهم المرميَّةُ نحو المستقبل؟
لوحة "
العالم الإلهـي " (فحميَّة . المرحلة
الرَّابعة : 1918-1923)

وإن نشرَها جبران في كتاب "
النبيّ " فإنَّها ذروة الرّؤى الّتي سبقتها أو ستأتي بعدها. هي خلق
عالم النّهايات . لعلَّ جبران اختصر فيها نهاية تقنيَّته في تناغم
الخطوط، الإيحاء ، الرّمزيَّة ، الهندسة والإنسجام. ولعلَّه بلغ
فيها آخر ما عانى في تجاربه السَّرائريَّة الآيلة إلى إيجاد
العلاقة بين الحركة والسّكون. ولعلَّ هذا التَّوق ، في الإبداع ،
أوصَلَه إلى أرقى ما يسع الوسع الدّيني في محاولته إدراك الله
السَّاكن والمتحرِّك معاً . ونقرأ :
الدَّائرة الخارجيَّة مفتوحة الطَّرفين . هي أرواح في جوار العالم
الإلهي . وزال آخر أثرٍ من آثار الكون والطَّبيعة. ذاكه طهر العراء
حتّى في بداياته . أيٌّ من الأرواح المتآلفة في دائرة له ما يميّزه
. فهذا في حالة استبطان . ذاك محدِّق إلـى النّقطة المركزيّة.
والدَّائرة عين ، وإن مفنوحة ، تساوق
العين المركزيَّة . لعلَّ بعض هذه الأرواح يعرف أنَّ عليه أن يعودَ
ليستكملَ كيانه . ولكنَّ التَّوق نحو المركز يجذب كلّ الخطوط
المنظورة والمتخيّلة ، كلَّ الحنيات واللّولبيَّات في اتّجاه
الدَّائرة الوسطى . وهكذا كلّ الدّوائر ، في سائر نتاجاته ،
السَّابقة على " العالم الألهي " كانت تتوق للخروج من السّكون
الكلاسيكي إلى الدَّائرة المتحرِّكة . هنا ، هي من سبع أجنحة .
إنَّها الكمال في حركة . الكمال بسبعيّتها كما في دائريّتها.
الأجنحة رمز الإدراك الرّوحيّ . وهي ، سبعة ، تبدو آتيةً من عالم
أبعد منها . إنَّها محاولة تظهير بإتّجاهنا لكنَّها حتماً توحي ما
لا يُدرَك. تلكها روعة الإبداع .
والرّوعة تقولُها كذلك اليد وفي وسطِها العين المجرَّدة . إنَّها
آتية من البعيد الّذي أوحاه مصدر الجوانح . ذاك المصدر الموحي هو
القدرة الخالقة . وهذه أتراها ساكنة ؟ فكيف تخلق ؟ أم متحرِّكة ؟
فهل هي من عالمِنا؟ إنَّها الحركة والسّكون والضّمير معاً .
لوحة "الفجر"
(زيتية.المرحلة الثانية :1908 - 1914)

الآفاق تتوالد.توحي أنها، قبل أن تكون
، تناسلت من مصدرٍ بعيد لتأتي العالم المرئي.اذا عن ذاك المصدر؟ ما
حكاية هذا التناسل ؟
قديم زواج الشَّمس والماء. ودهريّ النّور في جوّانيَّة الحياة.
النّور والماء يتعاشقان . والينبوع أبعد من الوجود.
في اللّوحة ، النور ينتشر من المركز
المشرق. لا يتقطّع في انطباعات أو لطخات. لا يتبعثر. انه متواصل.
وهو آفاق تتساوق من الرّحم النّوراني. وهو هو الجوانية والشكل
الظّاهر معاً. فالآفاق تتمادى بفرح التعاشق. وحكمة النور تجسّدها
نيّرةً.
البداية في ابداع لوحة " الفجر" بدأت ، كما في الحياة ، باندفاق
الشمس في الماء واشتعال الماء بهوى النّور. ومن التعاشق الكوني
التكويني تتناسل شيّات الحياة بهدؤ.
والشّية تنبثق كما لو أنها نغمةُ لأختها. هي نغمة في "ميلوديا" .
فهي سفر.
تنأى عن الرحم الشّمسيّ ولكنّها تظل تحمل خميرة نوره الذي به تسافر.
انّها امتدادٌ يغّني نغمات لونه. والنّغميات ألحان السّفر ودفء
العشق المنتشر.
آفاق هذا " الفجر" هي أمداء ذاك العشق. ترحل في البعيد، في ارتياح
المسافات ... وتغّني بسلام . والتعاشق الفطري حنين البعيد الى
البعيد. فالزّمن روحٌ جوّانيّ متواصل. وآخر مدىً ، في هذه الطبيعة
المخلوقة ، يتنفس بحنين والديه: أنوثة الماء وخصب الضّوء.
والحنين هو النّفس والتّنفّس المتموج. وهو الذي يتشكلن أمداء
متواحدة القرار. وهو ، في الفضاء ، يتوهّج "نوتاتٍ" زرقاء هي ، في
الاساس ، أصداءُ الماء وقد حبل بالشّمس.
واذا الماء الأنوثي والنّور الخصب أغنية الفضاء ، فانّهما بثٌ غامقٌ
وعميقٌ في الطبيعة. بثٌ بنفسجيٌّ في الكثيف والهضبة تنهض من
أغوارها وأعماقها. والماء البنفسجي والنّور المتورد ينفنفانها
فتستيقظ من الداخل ... وتنتهي مسحورةً تهمُّ بجمع شتاتها على ايقاع
النور المتكيّف معها ليحوّلها.
الفضاء نغماتٌ زرقاء هي علامات ذاك الايقاع المتلاحق الانتشار.
والايقاع ملامح مداراتٍ شعرية.
والطبيعة يتشرّب نثرها خطوط ايقاع الماء ورديِّ النّور . وتغيب آخرُ
آثار أيّ كلاسيكيةٍ باردة قياسيّة.
لوحة " الفجر" تمّوج الشعر في نثر الطبيعة . فهي تخلق نفسها أجمل
فلا انطباع ولا تلطيخ. بل "ميلوديا " جوّانية.
الأنطباعية ، مقدّمة التلطيخية في بداية القرن ، انتهت ، مع
أربابها تفسّخاً وحرباً أهليّة.فلا بدّ من روح صوفيّة توحّد
أشلاءَها وتندفق في جوّانية . وكانت لوحة" الفجر" هذه قصيدةً لذاك
اليوم . قصيدة الضّوء يخلق نفسه فجراً يعاصرُنا. ولكنّه ، عند
مبدعه، طريقٌ الى كونويّة الانسان.
لوحة "
أبعاد الانسان في توقها الصّاعد " (فحميّة
. المرحلة الثالثة:1914-1918)

طويلٌ وعميق تاريخ التبلور في الحياة
وهي اندفاعٌ صاعد. والوعي هو الحياة وصورتها.
هذا التبلور وتلك الأبعاد الصّاعدة أيمكن تظهيرها؟
هذه اللوحة تجسيد أوسع حكاية أشمل رؤيا. والحكاية ليست أبداً خبراً.
انها خلق كل المراحل وايحاؤها. من هنا الرّموز . والقراءة من أسفل
الى أعلى.
الأرجل أربع ( أو ستٌ لو شئنا). العدد رمز بـه عن الحيّوية (
الأنيما ) في امتلائها. حيويَّة متواصلة ، متطوّرة،
متدرّجة وصاعدة . والعدد ليس كميّة إنَّه معنى الكميَّة وحالاتها
الّتي تجعل العقل يحدسها .
جذع الإنسان خلاصة جدليّة الحياة وكلّ بلوراتها. هو شجرة تتفتح ،
في أعلاها ، عن ثلاثة آفاق متسامية. كلّ أفق ذراعان تصخبان قوّةً
واندفاعاً . والثنائية ، في كلاسيكية الرمزيّة، جدليّة دينامية.
أمّا الثلاثية فهي رمز الكّلية والشمول والتّوحيد. وهكذا :
من الجدليّة الكونيّة إلى التّواحد يتصاعد تطّور الحياة في تبلورها.
الانسان طاقات توّاقة. تسامٍ في صراع . وأدنى قواه النّفسية أكثرها
ديناميّة واندفاعاً.
الذّراعان الأوليان عافية حدّ الانفجار. ولكنّ الأنفجارية الجدلية
تلين فتستجيب لقدرةٍ أرقى منها وهي جدليّة بدورها ولكنّها عاقلةٌ
تهدّئ حدّة الأندفاع وتوازن تصاعدها. والجدّلية تواصل حتّى في
الافق الأسمى من الوعي. وفي توقها تَعدُ بتآلف وتقارب.
في بحث القوى النَّفسيَّة عند جبران نجد الخيال ، الأحلام ، الرؤى
، القدرة على الابداع، الشّاعريّة ، الرّوح... ملكاتٍ أرقى من
العقل. واليدان الأخيرتان انفلاتٌ في لا نهاية وتركيزٌ على الذات.
لوحة " أبعاد الانسان في توقها الصّاعد " طرافة تختار عناصر
كلاسيكيّة ولكنّها تأبى الكلاسيكيّة غايةً وتركيباً. هي رؤيا خارج
التراث. العبقّرية فيها أنها شكلٌ مخلوقٌ بكلّيته ليختصر أهّم
المعارف والمدارس السيكولوجية. قصد نهر الحياة الصّاعد وخلقه. شكلٌ
صارخٌ بقّوةِ تركيبه وبعيدٌ كل البعد في تفاعله وايحائه. الخطوط
فيه أكثر قوةً من وضوح الكلمة. بجرأته يجسِّد دقائق قوةِ الاندفاع
في قصّة التبلور المتواصل. ويستحضر أبعاد ما دون الوعي وما فوقه.
انّه تحدٍ . بلمسةٍ فحميةٍ تحاور ضؤ الورقة ، يظهّر ما قد يستحسيل
على أي فنّ أن يؤدّيه.
لعلّنا ندرك اللّوحة مقتصرة على انسان بعينه أو على مفهومٍ للأنسان.
لكنّها تأبى أن تنتهي. الواضح من هذه الرؤيا يقول الانسان العامَّ
في أبعاده الكونيّة والنفسية التّواقة الى المافوكونيّة. وهذا
الواضح شاءَهُ الفّنان منطلقاً للأبعد منه . رمزية الأرقام ،
التصاعدية ، اللامتناهية... وسائل يمسك بها العقل ليستقرئ الأشمل.
لعلّ رمزية السّباعية الناتجة عن الرّباعية الجدليّة والثلاثية
التّوحيدية توحي كمال الانسان في أبعاده. لكنّ الكمال في التكوين
نسبيٌّ في كمال الكينونة. ووجه هذا الانسان المحدّق الى الأعلى هو
الغصّة الأليمة رغم تجريده من أي وجه معروف. غصّة تعكس كلّ
المعاناة بين كمالٍ بلغه وكمالٍ يشعر به ولم يبلغه بعد.