ولد توفيق الباشا في بيروت في العام 1924، ودرس النظريات الموسيقية
والتأليف وآلة الفيولونسيل في المعهد الموسيقي في الجامعة الاميركية
بين عامي 1941 و1944. تابع دراسة التأليف الموسيقي مع الأستاذ براتران
روبيار (Bertrand Robillard) حتّى سنة 1949.
تولّى إدارة القسم الموسيقي في إذاعة القدس من رام الله من سنة 1949
لغاية سنة 1951. وتفرّغ بعد ذاك للتأليف الغنائي والموسيقي وقيادة
أوركسترا فرقة «باليه الشرق الأوسط». قدّمت الفرقة أعمالها، ومعها قدّم
أعماله، على أهم المسارح في العديد من الدول العربية، منها أوبرا
القاهرة وبغداد والقدس ودمشق، وصولاً الى بومباي وكلكوتا ونيودلهي في
الهند، ما بين سنتي 1952 و 1953. ومن ثمّ تسلّم مسؤولية الإنتاج
الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى حتى توقفها عام 1956، على إثر
الإستقالة الجماعية منها نتيجة العدوان الثلاثي على قناة السويس.
إنضمّ إلى الأخوين رحباني وفيلمون وهبة، وزكي ناصيف ليشكلوا "عصبة
الخمسة" على غرار بعض موسيقيي روسيا من أجل إطلاق الأغنية اللبنانية.
يُعتبر توفيق الباشا من مؤسّسي الليالي اللبنانية في مهرجانات بعلبك
الدولية، وعمل فيها كمؤلف موسيقي وكقائد للأوركسترا في سنوات: 1957 و
1959 و 1964 و1974. كما أسّس، في العام 1960 مع بعض زملائه الفنّانين،
وبرعاية سعيد فريحة، فرقة "الأنوار" العالمية التي قدّمت حفلاتها في
مسارح قبرص، والنمسا (فيينا)، وألمانيا (فرانكفورت، وفيزبادن)، وفرنسا
(باريس)، ومصر (القاهرة، والاسكندرية)، والكويت (الكويت)، والأردن
(عمّان)، بالإضافة إلى لبنان في مسرح كازينو لبنان وفي بعلبك. وكان
فيها مسؤولاً ومؤلفًا موسيقيًا وقائدًا للأوركسترا.
أُوكلت إليه في العام 1961 رئاسة دائرة الموسيقى في إذاعة لبنان. كما
انتخب رئيسًا لجمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في لبنان بين
الأعوام 1969 و1986، وظلّ فيها رئيسًا فخريًا حتّى وفاته. وهو من
مؤسّسي المجمع العربي للموسيقى التّابع لجامعة الدول العربية، وعضو فيه
منذ تأسيسه عام 1970 ولغاية وفاته.
درّس في المعهد الموسيقي الوطني النظريات الموسيقية والموشحات. كما
درّس في كليّة الموسيقى في جامعة الرّوح القدس في الكسليك الموشّحات
والموسيقى العربية. سنة 1986 ترأس اللجنة الوطنية للموسيقى التابعة
لليونسكو حتى 2000.
وضع ألحاناً لآلاف الأغاني والقصائد لمعظم الشعراء من العصر الجاهلي
والعصر العباسي، ومن شعراء لبنان والمشرق العربي، منذ سنة 1951 ولغاية
وفاته، أدّاها كبار المطربين في لبنان والوطن العربي، إمّا في حفلاتهم
وتسجيلاتهم، وإمّا ضمن برامج إذاعية وتلفزيونية، مثل: "ليالي الأصفهاني
في كتاب الأغاني"، "مجالس الطرب عند العرب"، "ليالي شهرزاد"، "إبداع
النغم"، "عباقرة الغناء عند العرب"، "أشعب والكندي"، "جحا"، إلى جانب
"صبح والمنصور"، و"الإرث" من التراث الأندلسي.
بالإضافة إلى الأغاني والقصائد، وزّع موسيقيًّا العديد من الألحان
الفولكلورية والشعبية وألّف العديد من السمفونيات والقصائد السمفونية،
منها «الليل» المستوحاة من قصائد سعيد عقل، «فوق البنفسجية»
(اللامقامية)، التي نال عنها جائزة المعهد الموسيقي الوطني عام 1969،
وسمفونية «بيروت 82» عام 1983، التي صوّر فيها الاجتياح الاسرائيلي
للبنان، وسيمفونية "السلام"، 1985ـ1986، التي عزفتها عام 1988 أوركسترا
الفيلهارمونية لمدينة لياج (بلجيكا). كما ألّف "الثلاثية المقامية"
لآلة البيانو والأوركسترا الوترية، 2000 ـ 2001. من ناحية أخرى، وضع
توفيق الموسيقى التصويرية لخمسة أفلام تسجيلية طويلة. ولم يغب الإنشاد
الديني عن باله، فكتب عددًا من الإنشاديات الدينية (الأوراتوريو)
أهمّها: «الإنشادية النبوية» من شعر أحمد شوقي سنة 1995، وإنشادية
"عظماء الدنيا وعظماء الآخرة" 1996، من الدكتور مصطفى محمود مستندًا
إلى تراث الشيخ محيي الدين بن عربي.
أصدر في العام 1998 مجموعة مختارة من أعماله الموسيقية والغنائية
الكاملة على 17 أسطوانة. كما أصدر مجموعة كتب، منها: "المختار من
الموشحات الأندلسية"، "الإيقاع في الموسيقى العربية"، و "الكمان
والأرباع الصوتية" .
أقعده المرض في آخر أيامه، إلاّ أنّه لم ينقطع عن الكتابة والتأليف،
بفضل رعاية زوجته (الثانية) الفنانة نهى الهاشم-الباشا له. وقد قرّ
عينًا برؤية إبنه عبد الرحمن الباشا، من زوجته الأولى المطربة وداد
(بهية وهبي)، يحمل عنه لواء الموسيقى ويرفعه عاليًا في العالم من خلال
إبداعه على آلة البيانو وتسجيلاته ومؤلّفاته. توفي في 6/12/2005 عن 81
عامًا، صرف منها أكثر من خمسين سنة في التلحين والتوزيع والبحث وقيادة
الأوركسترا والتعليم. ومن أهم الذين غنّوا له: سعاد محمد، نور الهدى
ووداد.
توفيق الباشا هو من رعيل الموسيقيين الكبار الذين طبعوا الموسيقى
اللبنانية بأسلوبهم ومؤلّفاتهم، لتبقى رائدة ومحافظة على هويّتها
العربية المشرقية. أعاد إطلاق غناء الموشّحات من خلال تدوينها وتعليمها
وتسجيلها.
نظرًا لأعماله ولإنجازاته الفنية، نال العديد من الأوسمة، أهمّها: من
لبنان (ميدالية الاستحقاق اللبناني الفخرية 1975، وسام الاستحقاق
اللبناني من رتبة فارس 1997)، ومن مصر (وسام العلوم والفنون من الدرجة
الأولى عام 1975)، ومن فرنسا (ميدالية مدينة باريس عام 1961). إلى جانب
الوسام المذهّب من جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية عام 1989، وجائزة
مؤسسة عبد الهادي الدبس عام 1997، والجائزة التقديرية من المجمع العربي
للموسيقى (جامعة الدول العربية) 2002، والجائزة التقديرية من
مؤتمرالموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية) 2002.