Saliba Douaihy
مرحلة الديمان:
أثناء هذه الفترة استدعي صليبا من قبل بطريرك الموارنة أنذاك، مار
انطونيوس عريضة (1932-1955) لتصوير سقف كنيسة الديمان التي كانت
تُشيّد آنذاك، فنفذّها خلال أربع سنوات، وكان عمله مزيجاً من
الانطباعية والكلاسيكية .
في تلك المرحلة
كان الدويهي
مشبعاً بأعمال
كبار الفنانين
الكلاسيكيين
مثل مايكل أنج
ودافنتشي،
لذلك جاءت جميع
رسوماته وفق
الأصول الكلاسيكية
المعروفة مع
فارق تجديدي
وحيد، إذ استعمل
نماذج من الوجوه
القرويّة اللبنانية،
ومن الناس العاديين
والبسطاء عوضاً
عن النماذج
الكلاسيكية
الإيطالية.
ومن هنا أتت
ميزة رسومات
الكنيسة، فأشخاصها
لبنانيون شرقيون
(مثل لوحة الرعاة،
والعذراء في
لوحة البشارة،
ولوحة رجم شهيد
بسرى، والخلفية
في لوحة العماد،
ولوحة القديسة
مارينا).

مرحلة بيروت:
بعدما أنجز لوحات كنيسة الديمان، نزل الى بيروت حيث فتح محترفاً في
شارع محمد الحوت في بناية نجيب موصلي، لم يختلف الدويهي في مرحلته
الإنطباعية كثيراً عن رفاقه في الانتقال التدريجي من أجواء الكلاسيكية
المستحدثة الى اللمسة الإنطباعية، بسبب تشابه المواضيع التي تشغل حيّزاً
كبيراً، بينها المناظر الجبليّة والوجوه الريفيّة، إلا انه بعمله نحو
التبسيط باللمسات اللونيّة، والإقتصاد في الخطوط الرئيسية التي تصف
الموضوع وتحدّد إشاراته الواقعيّة.
وفي سنة 1945، أقام معرضاً فردياً في فندق السان جورج Hôtel St.
Georges حيث اعتبر في ما بعد أهم معرض له في لبنان، وكان موضوعه القرية
والوديان، وبيعت لوحاته جميعها، وقد افتتح المعرض آنذاك رئيس الجمهورية
الشيخ بشاره الخوري الذي كان أول رئيس جمهورية لبناني يفتتح معرضاً
فنيّاً. تميّز المعرض برسومات الفلكلور اللبناني التي تشبّع بها
الدويهي بعد أن زار معظم المناطق اللبنانية وجسدّها في لوحات فنيّة،
إلاّ ان استقراره لمدّة أربع سنوات في بيروت جعله يعايش النقاشات
الدائرة حول الاتجاهات الفنيّة الحديثة التي كانت تثيرها جريدة
الأوريان لوجورL'Orient Le Jour عبر كتابات الشاعر جورج شحاده والفنان
الفرنسي جورج سير والناقد صلاح ستيتيّة. يقول الدويهي أن الشاعر جورج
شحاده حرّضه على الاطلاع على جماليّة الفنون الجميلة بعد العبارة التي
كتبها على دفتر الزيارات الخاصة بمعرضه، والتي قال فيها: «لقد تعدّانا
العالم كثيراً ونحن لم نزل نكتفي بسرد الحكايات والتفاصيل». وفي 15
نيسان 1947، شارك ايضاً في معرض الفنانين اللبنانيين في المتحف الوطني.
وشارك في هذ ا المعرض الفنّانون داوود قرم وحبيب سرور وجبران خليل
جبران وخليل صليبي ورئيف شدوري ومكاروف فاضل ويوسف الحويك وعمر الأنسي
وقيصر الجميل وصليبا الدويهي ومصطفى فروخ.
لم يستطع الفنان العمل في بيروت كون شهرته باتت واسعة، وزواره كثر، وفي
الوقت الذي كان يدرّس في مدرسة الحكمة، أحسّ بأن وقته لم يعد ملكاً له،
ولم يعد قادراً على الخلق، فكان لا بد له أن يخرج من هذه الدائرة الى
دائرة أوسع، فقرّر مغادرة لبنان.
إتّسمت الفترة ما بين 1936-1950 بأسلوب الانطباعية اللبنانية لأن
الدويهي كان بطبيعته إنطباعياً، أحب الطبيعة والحياة القروية وخاصة
الفلوكلور فيها، فاستمد من تراثه اللبناني نماذج عدّة من الشخصيات
القروية الذين جالسهم وعايشهم في مختلف القرى الجبلية، فنتجت عن ذلك
لوحات انطباعية تمثّل حياتهم اليوميّة البسيطة إضافة الى لوحات الطبيعة
اللبنانية التي طبعها الدويهي بمشهد الغروب. كما تفرّد الدويهي عن غيره
من الفنانين اللبنانيين بطريقة معالجته للفلكلور اللبناني، وهو يقول في
هذا المجال «إنني أعتبر رائد الفلكلور اللبناني، فأنا أول من جمعه ثم
أتى الرحابنة من بعدي وغنته فيروز...» وقد صاغ كل ذلك بصيغة كلاسيكية
وأكاديمية فيها بصمات من مرحلة تعليمه الأولى عند استاذه الفنان حبيب
سرور من الناحية الكلاسيكية، وفيها ايضاً بصمات من رحلة دراسته
الأكاديمية في المعهد العالي للفنون الجميلة في باريس. هذا في مرحلة
انطباعيته الأولى ما بين 1932 و 1939، حيث كانت المرحلة مزيجاً من
الكلاسيكية والانطباعية ونرى ذلك واضحاً في كنيسة السيدة في الديمان،
أما بعد سنة 1939 فقد بدأ الدويهي يتحرّر من الكلاسيكية .
►► Next
|