Art painting, sculpture, photography, craft, poem, calligraphy, illustration, artisans, poets, writers, illustrators, gallery, event, musicians, actors, fashion designers

Home   Registration form   Advertising
 

Contemporary Artists

Past Artists

Events

Articles

Links

Sale

About

 



 


 


 

 

 

HotelsCombined.com - Hotel Price Comparison

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ابن رشد

سيرة و فكر من كتاب الدكتور محمد عابد الجابري

المحتويات
تقديم
مدخل: ابن رشد: العلم والفضيلة
الفصل الأول: الدراسة والهاجس البيداغوجي

1- اطار "تقليدي" وأسئلة معاصرة
2- النسب والأسرة
3- بنو حمدين: منع الرأي... والطموح السياسي
4- بنو رشد..."الى العلم أميل"
5- نظام التعليم والدراسة
6- "ترتيب التعليم".. والهاجس البيداغوجي
7- درس المنطق قبل أي درس
8- اجماع على التنويه بعلمه ونزاهته
الفصل الثاني: من الحظوة الى النكبة: 1- مع الأمير المتنور
1- ابن رشد في مراكش لوضع منهاج للتعليم
2- عبد المؤمن والبناء الثقافي للدولة
3- أول لقاء مع أبي يعقوب "الأمير المتنور"
4- ثناء ابن رشد على عهد الأمير المتنور
5- الموحدون في المخيال الشعبي بمصر
الفصل الثالث: من الحظوة الى النكبة: 2- ظروف وملابسات النكبة
1- دولة المنصور والأزمة المستديمة
2- منجزات عسكرية وعمرانية، لاثقافية
3- نكبة ابن رشد... قمة أزمة الدولة
4- تخمينات ليست "من طبائع العمران " في شيء
5- سبب النكبة.. كتاب في السياسة
6- ابن رشد.. الفيلسوف بين وحوش ضارية
الفصل الرابع: سيرة... مسيرة علمية
1- حياة علمية لم تكن تعرف "جوانب أخرى"
2- لنتحرر من التصنيف الضيق العائق
3- مؤلفات تعليمية ناضجة
4- الهاجس المنهجي والبيداغوجي منذ مؤلفات الشباب
5- مشروع شرح أرسطو ورفع القلق عن عبارته
6- فكر يسابق الزمن: مشاريع لم تنجز
الفصل الخامس: ابن رشد: الاجتهاد والفتوى
1- "بداية المجتهد": فتح باب الاجتهاد من جديد
2- ابن رشد: تهمة واهية مختلقة
3- "فصل المقال": فتوى في شرعية الفلسفة
4- غنى النص الرشدي بفائض في المعنى
5- عبارة يشوبها شيء من التوتر: يعكس جدلية الفكر
الفصل السادس: تصحيح العقيدة: 1- الاطار والأفق
1- فتح باب الاجتهاد في العقيدة
2- استراتيجية الدولة، أم الدينامية الداخلية لفكر الفيلسوف؟
3- نفي واثبات، نقد وتقديم بديل
4- مجال "التصحيح": الدين والمجتمع
5- الفصل بين العلم والدين، وطرق المتكلمين
6- العلماء والجمهور: الفرق في المعرفة، لا غير
الفصل السابع: تصحيح العقيدة: 2- محاور التصحيح
1- مسألة "حدوث" العالم: مقدمات فاسدة كلها
2- الطريق التي قصد الشرع حمل الناس عليها
3- مسألة السببية... والنظام والترتيب في العالم
4- القول بالأسباب الطبيعية لا يمس بالارادة الالهية
5- "ظواهر النصوص" أقرب الى العلم من تأويلات المتكلمين
6-"ظواهر النصوص" تؤكد حرية الارادة
7- دليل النبوة الاتيان بشريعة صالحة.. وليس المعجزة
الفصل الثامن: القاضي... في الفلسفة
1- ابن رشد القاضي... في مجال الفلسفة والكلام
2- "تهافت الفلاسفة" من أجل "فضائح الباطنية" ولكن أيضا ً
3- ابن سينا يضع البديل لعلم الكلام الأشعري
4- الغزالي عمد الى التخليط
5- تكفير الفلاسفة... خطأ على الشريعة
6- خطأ على الحكمة.. وابتعاد عن العدل
7- قواعد في أخلاقيات الحوار
8- التماس الأعذار للغزالي.. ومع ذلك فسلوكه محير
9- أقاويل ابن سينا "ليست جارية على أصول الفلاسفة"
الفصل التاسع: لماذا أرسطو؟ وما الحاجة الى شرحه؟
1- "تغيير" مذهب أرسطو قبل الاسلام
2- محاولات الدمج بين الدين والفلسفة في الاسلام
3- طبيعة نصوص أرسطو و "قلق" عبارته وعبارة المترجمين
4- نصوص ابن رشد على أرسطو
5-" الترتيب" والهاجس البيداغوجي في الشروح على أرسطو
الفصل العاشر: أرسطو وما يقتضيه مذهبه: وحدة الحقيقة
1- أرسطو في المؤلفات العربية
2- مذهب أرسطو "أقل المذاهب شكوكا ً وأشدها مطابقة للوجود"
3- الكمال الانساني... ليس خاصا ً بأرسطو وحده
4- ثناء ابن رشد على أرسطو: انفعال بالجمال النظري
5- التقدم في المعرفة حقيقة... والبحث العلمي عبادة
6- وحدة الحقيقة لا "الحقيقة المزدوجة"
الفصل الحادي عشر: تجاوز ما قاله ارسطو الى " ما يقتضيه مذهبه"
الوجود والعقل والاتصال
1- الرؤية المشائية للعالم
2- مذاهب في الوجود: الكمون والاختراع و"المطابق للوجود"
3- المذهب المطابق للوجود: قوة في المادة وقوة في الفاعل
4- حرارة نفسية ذات الصورة
5- ليست هناك صور مفارقة (مثل) وانما قوى طبيعية
6- العالم مليء بجميع ما يمكن أن يوجد
7- والعقل ليس أكثر من ادراك نظام الأشياء الموجودة وترتيبها
8- العقل ثلاثة، أو أكثر، في واحد!
9- خلاصات أولية
10- المعقولات النظرية (أو المعاني الفلسفية) أزلية من جهة
11- والعقل الهيولاني واحد في جميع البشر، والنوع الانساني خالد
12- الاتصال.. طريقه تعلم العلوم النظرية الفلسفية
الفصل الثاني عشر: الاجتهاد في علم الفلك وعلم الطب
1- اهتمامات علمية مبكرة
2- اتجاهان في علم الفلك
3- طموح الى "تصحيح" علم الفلك
4- لماذا" الكليات" فقط؟
5-" الكليات" ك "الضروري في..."
6- التأسيس العلمي للطب
7- ما بقي حيا ً في الكتاب: الايمان بالتقدم
8- دور المرأة في عملية التناسل
9- مقالات ونصوص أخرى
الفصل الثالث عشر: الضروري في السياسة
1- آراء جريئة جدا ً... بقيت مجهولة
2- الضروري... والمختصر، في المراحل الأخيرة أيضا ً
3- التأسيس الايبستيمولوجي ل"السياسة" كعلم
4- العلم الطبيعي: النموذج العلمي ل "العلم المدني"
5- المهمل والمستعمل من كتاب أفلاطون
6- تجاوز أفلاطون... والمدينة الفاضلة ممكنة
7- برنامج التعليم: يجب تحديد الغاية أولا ً
8- المنطق أولا ً، والأولوية في هذا الزمان للعمل الصالح
9- النساء كالرجال: فيلسوفات ورئيسات
10- تبيئة "السياسة" عند العرب مع "السياسة" عند اليونان!
11- التنديد بتسلط السادة... "في زماننا هذا وفي مدننا هذه"
12- الطاغية" وحداني التسلط":"أشد الناس عبودية"
13- صار الأمر في الدولة الى الدنيويات، فالاصلاح ضروري
خلاصة عامة - نصوص
1- "التكلم بين الشريعة والحكمة": "النظر في كتب القدماء واجب بالشرع"
2- تأويلات المتكلمين مزقت الشرع
3- القضاء والقدر، والجور والعدل
4- رؤية العالم بين الفلسفة وعلم الكلام
5- الوجود والماهية في الذات الالهية
6- في العلم الالهي: العلم بالكليات
7- النظر في الجوهر
8- الحكم الاستبدادي أو الطغيان
فهرس الأعلام

تقديم

يتزامن صدور هذا الكتاب مع الشهر الأخير من سنة 1998، السنة التي قررت عدة جهات أكاديمية، عربية ودولية، اطلاق اسم ابن رشد عليها، احتفاء بمرور ثمانية قرون على وفاة هذا الفيلسوف العربي الكبير (ولد سنة 520 ه / 1126م، وتوفي في 9 صفر سنة 595 ه الموافق 11 ديسمبر 1198م).

ومن جهتنا بادرنا، في اطار هذه المناسبة، الى العمل في مشروع رشدي يرعاه مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، قوامه نشر مؤلفات ابن رشد الأصيلة، أي التي كتبها ابتداء وليس شرحا أو تلخيصا، وهي بالتحديد الكتب التالية التي صدرت جميعا في المدة المقررة:

(1)"فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال".
(2)" الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة".
(3)"تهافت التهافت".
(4)"الكليات في الطب".
(5) ونظرا للأهمية الخاصة التي يكتسيها كتابه "الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون" (= الجمهورية) الذي ضاع نصه العربي، وبقيت منه فقط ترجمة عبرية، فقد ارتأينا ادراجه ضمن هذه المجموعة، بدل تأخير نشره الى حين انطلاق مشروع نشر النصوص المفقودة لفيلسوف قرطبة، الذي ننوي العمل فيه ابتداء من يناير 1999.

لقد حرصنا على تصدير كل واحد من هذه الكتب بمدخل عام يعرض بالشرح والتحليل لتطور الموضوع، الذي يتناوله ابن رشد في كل كتاب، منذ تبلوره في الثقافة العربية الى عصر فيلسوفنا، اضافة الى مقدمة تحليلية تعرض بصورة مبسطة وبلغة عصرنا لأهم القضايا التي يناقشها الكتاب، هذا فضلا عن شروح وتعليقات على النص، ترمي الى تقريبه للقارىء غير المختص.
ان استعادة ابن رشد الفقيه، وابن رشد الفيلسوف، وابن رشد العالم، ضرورة تمليها علينا، ليس فقط تلك المكانة المرموقة التي يتبوؤها هذا الرجل في تاريخ الفكر الانساني والتي غابت في تاريخ فكرنا العربي، بل تمليها علينا كذلك حاجتنا اليوم الى ابن رشد ذاته: الى روحه العلمية النقدية الاجتهادية، واتساع أفقه المعرفي، وانفتاحه على الحقيقة أينما تبدت له، وربطه بين العلم والفضيلة على مستوى الفكر ومستوى السلوك سواء بسواء.

لقد ظل ابن رشد في تاريخ الفكر العربي، ولمدى قرون خلت، اسما خافتا كاد يطويه النسيان طيا. وعندما بعث هذا الاسم منذ بدايات هذا القرن بقي شعارا أو لغزا أو موضوعا لاجتهادات "معاصرة" تستقي اشكالياتها وموجهاتها، في الأعم الأغلب، مما كتبه عنه المستشرقون في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما كانت أوروبا تعيد بناء تاريخها الفكري فالتقت به كمكون من مكوناته. وهكذا جاءت الكتابات عن ابن رشد عندنا، في معظمها ان لم نقل في جميعها، تردادا لأصداء "الرشدية اللاتينية" في صيغتها الاستشراقية. ومما زاد في هذه "الغربة" كون مؤلفات ابن رشد لم تكن متوفرة ولا متيسرة. وما توافر منها لم يكن كله صالحا للاستعمال الا اذا تحول الباحث الى محقق. وعلى أية حال فقد بقي الاهتمام بابن رشد في الفكر العربي الحديث مشدودا الى الأسئلة التي طرحها المستشرقون، وجميعها يدور حول الموضوعات التي تتصل بشروحه على أرسطو. أما الموضوعات التي يطرحها في مؤلفاته الأصيلة والتي تتناول قضايا من صميم الفكر العربي الاسلامي، كالاجتهاد في الفقه، و"تصحيح العقيدة" (في علم الكلام)، و"تصحيح" وضع الفلسفة في الفكر العربي الاسلامي، واعادة ترتيب العلاقة بينها وبين الدين، فقد بقيت مغيبة مهجورة، مع أنها هي التي تدعو الحاجة الى استئناف النظر فيها في أفق تدشين رشدية جديدة في عملية النهضة والتجديد.

لقد قصدنا من هذا المشروع الذي أعدنا فيه نشر مؤلفات ابن رشد الأصيلة وضع أداة للعمل ضرورية بين أيدي الباحثين خاصة منهم الشبان. ففي هذه المؤلفات التي بقيت مهجورة أو ثانوية في الفكر الأوروبي، نكتشف ابن رشد الحقيقي، العربي الاسلامي، الذي هو المدخل الضروري لكل تجديد في الثقافة العربية الاسلامية من داخلها. أما "ابن رشد الفيلسوف"، شارح أرسطو الذي تجاوز مجرد الشرح الى الاجتهاد الفلسفي الأصيل، تماما مثلما تجاوز "ابن رشد الفقيه" الطريقة السائدة قبله في طرح مسائل الشريعة والعقيدة والعلم والفلسفة، فسيبقى نموذجا للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا، المثقف الذي يجمع بين استيعاب التراث وتمثل الفكر المعاصر والتشبع بالروح النقدية، وبالفضيلة العلمية والخلقية.

ويبقى التعريف بهذا المثقف العربي والاسلامي النموذج، أعني ابن رشد، الذي يسمع عنه الناس عندنا ولكن دون أن يعرفوه، والذين يعرفون عنه شيئا تغيب عنهم أشياء، يبقى التعريف بسيرته وفكره، خطوة ضرورية في استنبات رشدية عربية اسلامية، هي وحدها القادرة في نظرنا على أن تعطي لحياتنا الثقافية ما هي في حاجة اليه من القدرة الذاتية على التصحيح والتجديد.

كتبنا منذ عشرين سنة، في مقدمة كتابنا "نحن والتراث"، ما يلي: "ما تبقى من تراثنا الفلسفي، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرا على أن يعيش معنا عصرنا، لا يمكن أن يكون الا رشديا". ولم يكن ما يسمى اليوم ب "الاسلام السياسي" و"التطرف الديني" حاضرا آنذاك في الساحة العربية والاسلامية بمثل حضوره اليوم. من أجل هذا صار من الضروري أن نضيف الآن الى العبارة السابقة ما يلي: ان ترشيد "الاسلام السياسي" والتخفيف من التطرف الديني الى الحد الأقصى لا يمكن أن يتم بدون تعميم الروح الرشدية في جميع أوساطنا الثقافية ومؤسساتنا التعليمية.

فعسى أن يكون هذا الكتاب الذي قصدنا منه التعريف بالرشدية فكرا وسلوكا حافزا لمثقفينا خاصة منهم الشباب، من جميع المشارب والاتجاهات، على معانقة فكر ابن رشد من خلال مؤلفاته الأصيلة أولا، فهي المدخل الطبيعي للرشدية العربية الاسلامية. وفقنا الله جميعا لما فيه الخير.

الدار البيضاء في 20 سبتمبر 1998

مدخل- ابن رشد: العلم والفضيلة


هذا كتاب في سيرة ابن رشد وفكره سلكنا فيه مسلكا خاصا، فجمعنا بين حكاية السيرة الذاتية لفيلسوفنا والتعريف بفكره من خلال أهم كتبه، في الفقه وأصوله والعقيدة والفلسفة والعلوم والطب والسياسة. والحق أن هذا المسلك قد فرضه علينا ابن رشد نفسه، أعني كون سيرته الذاتية هي مسيرته العلمية نفسها، فلا يمكن الحديث عن الواحدة منهما بمعزل عن الأخرى. لقد نشأ في بيت كان أهله "الى العلم أميل"، كما يقول من ترجموا لهذا البيت، فانقطع منذ صغره للدراسة. فلما "بلغ أشده" في العلم، بدأ التدريس والتأليف والبحث العلمي الى أن توفي، عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاما.

وبما أن أباه وجده كانا من رجال العلم المرموقين فقد كانا على صلة بالدولة وأهلها، صلة علمية قوامها التدريس وولاية القضاء. وقد ورث فيلسوفنا هذه الصلة ببعديها، وأضاف اليها بعدا خاصا هو الطب، فكان "يفزع الى فتواه في الطب كما يفزع الى فتواه في الفقه". وقد عمل طبيبا - وبالأحرى مستشارا طبيا - للخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن وابنه يعقوب المنصور.

ومع أنه كانت له حظوة خاصة ومتميزة مع الأول منهما، الذي كان أميرا متنورا، فقد بقي محافظا على استقلاله الفكري منصرفا بكليته الى مشروعه العلمي الكبير الذي كان ينمو ويتفرع، أكثر فأكثر، كلما قطع فيه أشواطا: المشروع الذي يتداخل فيه فتح باب الاجتهاد في الفقه، و"تصحيح العقيدة"، ورفع الظلم عن الفلسفة وتحريرها من اشكاليات علم الكلام، وشرح كتب أرسطو وسد ثغراتها بالاجتهاد داخل "ما يقتضيه مذهبه"، وارساء "صناعة الطب" على أساس علم عصره، بهدف الارتفاع بها الى مستوى العلم، والقول في "السياسة" والاصلاح السياسي، قولا لا نجده في الثقافة العربية، لا لمن سلف ولا لمن خلف. هذا اضافة الى طموحه الى اصلاح علم الفلك، وانجاز مشاريع فكرية أخرى وعد بها ولكن ضاق عنها عمره، ليله ونهاره، فلم يستطع انجازها.

عاش ابن رشد خمسة وسبعين سنة قضاها كلها في الدراسة والتدريس والبحث والتأليف. ومع أنه تولى قضاء اشبيلية ثم قضاء قرطبة، وتنقل كثيرا مع الخليفة المتنور أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن، بين المغرب والأندلس، فقد بقي مشدودا الى مشاريعه العلمية، يعوض بالعمل في الليل ما فاته بالنهار، مستصحبا معه كتبه وأوراقه مستغلا فرص الاستراحة في الطريق، على الأرض أو على مراكب السفر، يحقق مسألة أو يسود أوراقا أو يراجع كتابا.

كان ابن رشد يسابق الزمن، يكتب في موضوع ويكتشف حين الكتابة أن ثمة مواضيع أخرى تتصل بما هو بصدده، فيعد بالتأليف فيها "ان أنسأ لله في العمر". وتلك عبارة يكاد لا يخلو منها كتاب من كتبه، منذ شبابه حتى آخر مؤلفاته، قبيل وفاته. ولم يكن ابن رشد يلقي بالكتاب لينفصل عنه بالمرة الى كتب أخرى، بل كان دائم المراجعة لما كتب، يصحح ويعدل ويحيل الى السابق واللاحق من مؤلفاته. لم يكن يترك العلم يتقادم في كتبه، بل كان شديد الحرص على تحيين مضمونها مع تقدمه في البحث المعرفة. ولم يكن يفصل بين تخصص وتخصص الا على صعيد المنهج وبحق كان صارما على المستوى أما على صعيد المضمون فقد كان يتحرك كعالم متعدد التخصصات، يستحضر الطب في الفقه والفقه في الطب، والقرآن والحديث في الفلسفة، والفلسفة في العلم والعلم في كل ذلك. وبعبارة عصرنا كان يتصرف من منطلق وحدة الحقيقة وتكامل المعرفة، وكان هذا عنده سلوكا يشخص قناعة وطيدة عنده وهي "تطابق العقل والوجود". ومن هنا كانت الحقيقة عنده، وكان العلم الحق، وكان البرهان، في "المطابقة مع الوجود".

هذه المطابقة بين العقل والوجود قد تشخصت أيضا في سلوكه. فكان وجوده، أعني سيرته، مطابقا لعقله، أعني لمسيرته العلمية وخصاله الخلقية.

فعلا، لم تكن "المطابقة بين العقل والوجود" عند فيلسوفنا مجرد نظرة فلسفية للكون، ولا مجرد تساوق بين العمل الفكري وشغل الوقت وحركة الزمن على سلم العمر، بل كانت أيضا فضيلة أخلاقية وعاها بعمق فالتزم بها واشترطها في العالم، فقيها كان أو فيلسوفا. وهكذا فالنظر في كتب القدماء، وهي مكمن العلوم العقلية يومئذ، واجب بالشرع وجوب النظر العقلي. ولكن ليس لأي كان، بل لابد للناظر فيها أن يكون قد "جمع أمرين أحدهما ذكاء الفطرة والثاني العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية". أما ذكاء الفطرة فشرط ضروري من الناحية العقلية المحض، ناحية القدرة على التعامل مع العلم. وأما العدالة الشرعية فهي هنا بمعنى الأمانة العلمية بلغة عصرنا، فالناظر في كتب القدماء يجب أن لا يزيد ولا ينقص ولا يحرف ولا يشوه ما قاله القدماء ولا يقولهم ما لم يقولوا، سواء كانوا مشاركين لنا في الملة والعقيدة أو مخالفين. واذا كانت هذه الخصال ضرورية في من يريد النظر في كتب القدماء فهي بالأولى والأحرى واجبة في من ينظر في كتب الشريعة أعني الفقهاء، فان "صناعتهم انما تقتضي بالذات الفضيلة العملية". والفضيلة العملية أساسها "الفضيلة العلمية والفضيلة الخلقية". الأولى تعني أن يكون العالم مقتنعا بصواب الرأي الذي يقول به والمذهب الذي يعتنقه وأن تتشخص هذه القناعة في سلوكه، وبذلك يتحقق التطابق بين "العقل والوجود في نفسه".

وبما أن الوجود البشري يختلف عن الوجود الطبيعي بكون الصدق فيه تحكمه قيمة عليا، توزن بها الأعمال، هي "الخير"، فان الفضيلة الخلقية التي تجسم هذه القيمة يجب أن تكون هي التي تطبع "الوجود". وجود الفرد البشري. ومع أن فيلسوفنا كان يقدر الغزالي تقديرا خاصا ولا يتردد في انصافه ضدا على ابن سينا خصمه، فانه لم يستطع أن يتغاضى عن افتقاد أبي حامد للفضيلة العلمية في كثير مما كتب. وهذا ما كان يضايقه فيه فلم يتردد في مؤاخذته عليه والتنديد به، أعني غياب الفضيلة العلمية الذي يجسمه في سلوكه "أنه لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه: بل هو مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنه كما قيل:

يوما يمان اذا لاقيت ذا يمن وان لقيت معديا فعدنان".

ولم يكن ابن رشد من الذين يعيبون على الآخرين أشياء يرتكبها. كلا. لقد كانت هناك طريقة مارسها ملوك زمانه ومورست من قبل وتمارس من بعد وهي ما يسمى بالدارجة المغربية "التتريك"، وما أطلق عليه على عهد معاوية اسم "الاستخراج"، وما يطلق عليه اليوم اسم "المصادرة"، وذلك بأن يلجأ الحاكم الى الانتقام من الشخص الذي يريد معاقبته لأمر ما، لا يريد التعريف به، الى مصادرة أملاكه بدعوى تطبيق "العدل"، ويكون ذلك مبررا بصورة خاصة مع الموظفين الكبار من وزراء وقضاة ومن يظن بهم أنهم استغنوا من المنصب الذي قلده الحاكم اياهم. وكم من وزراء وقضاة عوقبوا هذا النوع من العقاب زمن ابن رشد، الا ابن رشد نفسه. فعندما قرر المنصور محاكمته، بتحريض من حساده، ولأسباب سياسية شرحناها في هذا الكتاب، لم يجد ذريعة يخفي بها السبب الحقيقي في محاكمته غير دعوى "الاشتغال بعلوم الأوائل"، هذه العلوم التي كان قد مضى نحو خمس عشرة سنة على اشتغاله بها على عهد المنصور نفسه وبعلمه، وما ينيف عن أربعين سنة بطلب من أبيه الخليفة المتنور أبي يعقوب.

وانما لجأ المنصور الى هذه التهمة الغريبة التي تقتضي منه التنكر لأربعين سنة من تاريخ حكم أسرته لأنه لم يجد ما يمكن أن يؤاخذ على فيلسوفنا الذي تولى قضاء قرطبة وقضاء اشبيلية. ذلك لأن اتهام ابن رشد في هذا المجال كان يعني اتهام الناس جميعا في ما رأوه منه وما سمعوه عنه في مجال القضاء وغيره من المجالات: أعني الفضيلة الخلقية التي طبعت سلوك ابن رشد في القضاء مثلما طبعت الفضيلة العلمية عقله وفكره.

لقد شهد له جميع الذين ترجموا لحياته بالفضل والاستقامة والنزاهة وخدمة الصالح العام، الى درجة أن ابن الأبار لم يتردد في القول: "ولم ينشأ في الأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا ". ثم يضيف: "وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا (...) وولي قضاء قرطبة (...) فحمدت سيرته، وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة لم يصرفها في ترقيع حال ولا جمع مال، انما قصرها على مصالح أهل بلاده خاصة ومنافع أهل الأندلس عامة". وقد ردد هذه الشهادة جميع الذين ترجموا له فقال ابن عبد الملك المراكشي: "كان على تمكن حظوته عند الملوك وعظم مكانته لديهم لم ينفق جاهه قط في شيء يخصه، ولا في استجرار منفعة لنفسه. انما كان يقصره على أهل بلده خاصة، ومنافع سائر بلاد الأندلس عامة". وينقل ابن أبي أصيبعة عن القاضي أبي مروان الباجي هذه الشهادة، قال: "كان القاضي أبو الوليد ابن رشد حسن الرأي ذكيا، رث البزة قوي النفس". وكانت قوة نفسه تأبى عليه أن يكون غير ما هو مع جميع الناس، الضعيف والقوي سواء. فاذا تدخل الخليفة المنصور في ميدان العلم، من غير علم، صاح فيه كما يصيح الأستاذ في تلميذ أو طالب: "تسمع يا أخي"! يقولها باللغة الطبيعية" جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الاخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت الى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الاطراء والتقريظ". يشهد بذلك ما ختم به كتابه "فصل المقال" اذ كتب في معرض الثناء على الدولة، لا ليمدح بل ليسجل واقعا ويبرز ايجابيات بلغة طبيعية تراعي النسبية في القول والحكم، هي أبلغ في التعبير عن الحقيقة من عبارات "الاطراء والتقريظ". يقول: "وقد رفع الله كثيرا (=وليس جميع) من هذه الشرور والجهالات، والمسالك المضلات (=التي أصابت الحكمة والشريعة) بهذا الأمر الغالب، وطرق به الى كثير (=وليس الى جميع) من الخيرات، وبخاصة على الصنف الذين سلكوا مسلك النظر ورغبوا في معرفة الحق" (=الفلاسفة).

ولم يتردد فيلسوف قرطبة في انتقاد من سبقوه من الفلاسفة والشراح كالفارابي وابن سينا، والاسكندر وثامسطيوس قبلهما، بلهجة لا تخلو من العنف "الفلسفي"، عندما يلاحظ أنهم ارتكبوا أخطاء لا تليق بالعلماء، سواء في الفهم أو في التأويل، ولكن دون أن ينسى الشهادة لهم بالفضل، في ما كان لهم فيه فضل عليه أو على غيره. ولم يتعصب الا للحق والصواب. ولم يكن يتردد في الاعتراف بالخطأ اذا تبين له أنه ارتكب خطأ. ولم يكن يتردد في التصريح بالتقصير وباحتمال وقوعه في الخطأ، والتنبيه الى أن رأيه لا يمثل الحقيقة النهائية، طالبا من قرائه أن يكاتبوه ويطرحوا ما قد يبدو لهم من شكوك أو مآخذ على ما قرره في مسألة من المسائل. يقول في آخر مقالة الزاي من كتابه "شرح ما بعد الطبيعة" الذي ألفه في أواخر عمره، بعد ما لا يقل عن أربعين عاما من البحث والتأليف والتدريس: "هنا انقضت هذه المقالة، والحمد لواهب العقل كثيرا. وقد بلغت في تفسيرها أقصى ما انتهى اليه جهدي بعد تعب طويل وعناية بالغة. وأنا أقول لمن وقف على تفسيرنا لهذا الكتاب ما قاله أرسطو في آخر كتاب السفسطة: انه من وقف على تقصير منا في ما وضعناه فليعذرنا". وفي "شرح كتاب النفس"، يقول بصدد طبيعة العقل، بعد أن انتهى من مناقشة آراء الشراح السابقين ونقدها: "ولما كان ذلك كما وصفنا، فقد ينبغي أن ندلي هنا برأينا. واذا كان ما ظهر لي لا يفسر كل شيء فقد يكون منطلقا لتفسير أكمل. ولهذا أطلب الآن من الأصحاب الذي سيقرؤون هذا الكتاب أن يطرحوا أسئلتهم كتابة، لأنه قد نجد الحقيقة بهذه الطريقة، اذا لم أكن قد صادفتها بعد. واذا كنت قد صادفتها، كما يخيل الي، فان أسئلتهم ستساعدني على توضيحها أكثر. وكما يقول أرسطو: فالحق يوافق الحق ويشهد له".

و"الحقيقة" التي يقول فيلسوفنا بتواضع العلماء انه يمكن أن يكون قد عثر عليها هي من "أخطر" الحقائق الفلسفية في العصور الوسطى، وقد تبناها "الرشديون اللاتين" ووظفوها في صراعهم ضد الكنيسة. ومعلوم أن رجال الكنيسة قد حملوا حملة شعواء على ابن رشد منذ القرن الثالث عشر واستمرت الحملة الى القرن الثامن عشر! وكان أخطر شيء في فكر ابن رشد: في نظرهم، هو تلك "الحقيقة" التي نوه فيلسوفنا في النص السابق بعثوره عليها، أعني: وحدة العقل الهيولاني وأزليته، وخلود النوع الانساني. وهي الحقيقة التي رأى أنها "ما يقتضيه مذهب أرسطو"، في المسألة التي تركها هذا الأخير معلقة، مسألة: طبيعة العقل الهيولاني: أمفارق هو وأزلي، أم لا؟ والحق أن ابن رشد كان في هذه المسألة فيلسوفا عميقا وأصيلا وليس مجرد شارح، كما سنرى بعد.

قال ابن رشد فعلا في شرحه على اللفظ لكتاب النفس لأرسطو بوحدة العقل الهيولاني وأزليته وبخلود النوع الانساني. أما "قدم العالم" فقد دافع عن وجهة النظر القائلة به في جميع كتبه، مبينا أن ذلك لا يتعارض مع ظواهر نصوص الشرع (القرآن)، وأن العقل الذي يقضي بوجود مبدأ أول أزلي (الله) يقضي في الوقت نفسه أن تكون صفاته وأفعاله أزلية كوجوده. ولما كان العالم فعله، فالعقل يقضي أن يكون تابعا للفعل الالهي في أزليته. وليس معنى كونه قديما أنه غير حادث مطلقا. بل هو غير حادث فقط الحدوث الذي في الشاهد. أما في الحقيقة فهو دائم الحدوث. أما خلود العقل الهيولاني وخلود النوع الانساني فلا يتعارضان مع الدين في شيء، بل هو الطريق لاثبات المعاد وخلود النفس. كما لا يتعارض القول ب"وحدة العقل الهيولاني" مع الحساب والثواب والعقاب يوم القيامة لأن الجزاء يخص ما اكتسبه الانسان، والعقل المكتسب هو عقل فردي. وهذا يعني أن في النفس البشرية جزءا خالدا أزليا لأنه فعل الله، وفعله أزلي، وجزءا حادثا فانيا هو المكتسب الذي يرجع أصله الى الصور الخيالية والادراكات الحسية وما يتبع ذلك من نزوعات وأفعال.

لم يتردد الفيلسوف الفقيه المجتهد أبو الوليد ابن رشد في التصريح بهذا الذي كان يبدو له أنه الحقيقة التي يقول بها العقل، وهي في نظره واجتهاده لا تتعارض مع الدين لأنها لا تمس أي مبدأ من مبادئه. ومبادىء الدين هي الايمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر. أما تفصيل القول في هذه المبادىء فهو مسألة اجتهاد. والاجتهاد في العقيدة كما في الشريعة جائز، وأحيانا واجب، ولكن فقط للعلماء الذي يستجمعون شروط الاجتهاد التي هي أولا وقبل كل شيء: "العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية"، اضافة الى "الفطرة الفائقة" وتحصيل العلوم الضرورية.

ان ابن رشد يضع نفسه فعلا في مرتبة المجتهد في النظريات كما في الفقهيات. وهذه مرتبة لم ينكرها عليه أحد، ولن يستطيع أحد أن يشكك في استحقاقه لها. ومع ذلك فلم يكن فيلسوف قرطبة يدعي امتلاك الحقيقة. بل كان يرى أن الاجتهاد في النظريات كالاجتهاد في الفقهيات معرض صحابه للصواب والخطأ، خصوصا في "المسائل العويصة". ولذلك وجدناه يطلب من قرائه أن يبعثوا له اعتراضاتهم وشكوكهم كتابة كي يتمكن من القيام بالمراجعة لموقفه، اذا كان ذلك سيقترب به من الحقيقة بمسافات أكبر. ومع ذلك يبقى الاجتهاد في النظريات اجتهادا فرديا مفتوحا للخطأ، اذ لا يتقرر فيه اجماع كما يمكن أن يتقرر في الفقهيات. من أجل ذلك يقول ابن رشد "يشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة اما مصيبين مأجورين واما مخطئين معذورين". هذا اذا كان الاجتهاد من العلماء المستجمعين للشروط التي ذكرنا. أما غيرهم ممن لم تجتمع فيهم تلك الشروط، أعني الفطرة الفائقة والعلم الكافي والعدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، فهؤلاء خطأهم غير مصفوح عنه في الشرع: "فهو اثم محض، وسواء كان الخطأ في الأمور النظرية أو العلمية". وذلك كما هو الحال في الخطأ في الطب والسياسة. فان كان الخطأ صادرا عن طبيب مقتدر أو حاكم عادل، فهو مصفوح عنه، أما اذا كان من مدعي الطب أو من حاكم غير عادل فهو اثم يعاقب عليه.

وهذا الموقف الاجتهادي في الاجتهاد، المتسم بالانفتاح والاعتراف بالاختلاف وامكانية الخطأ، لا بل وبالحق فيه، يعكس ميزة في فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها لا نجدها في غيره، لا في الفلاسفة ولا في الفقهاء! نقصد بذلك جمعه بين مرتبة الاجتهاد في العلوم الدينية وفي العلوم العقلية سواء بسواء. والواقع أنه لم يكن في فلاسفة الاسلام من كان على معرفة كافية بعلوم الدين، فلم نسمع عن أحده منهم أنه كان فقيها أو قاضيا أو محدثا. ولم يكن في علماء الاسلام من كان على اطلاع على الفلسفة وعلومها من موقع البحث عن الحقيقة مجردا عن هوى التمذهب، ولا عن دافع الرد على الخصم من موقع التخاصم المذهبي. حتى الغزالي فهو يعترف أنه لم يطلع على الفلسفة وعلومها الا من كتب ابن سينا. وهذا الأخير لم يستجمع شروط الاجتهاد التي نص عليها فيلسوف قرطبة. فقد تأول على أرسطو أشياء تقع خارج ما يقتضيه مذهبه، فنقصته العدالة الشرعية من هذه الجهة. وهو يصرح في كتابه "الشفاء" الذي عرض فيه"ما صح" عنده كما قال- من مذهب المشائين، يصرح أن الحق عنده ليس ما يقوله في هذا الكتاب الذي أودع فيه "الحق على طريق فيه ترض ما الى الشركاء" في الصناعة، محتفظا ب" الحق الذي لا مجمجة فيه "في كتاب آخر..! وهذا اخلال صريح بما سماه ابن رشد ب"الفضيلة العلمية".

ان جمع ابن رشد بين مرتبة الاجتهاد في العلوم الشرعية كما في العلوم الفلسفية أو بين الأصالة والمعاصرة كما نقول اليوم قد أكسبه ثقة بالنفس كبيرة، وجعله في الوقت نفسه يعي تمام الوعي نسبية الحقيقة، في المجالين معا: فالحقيقة في العلوم الشرعية كما في العلوم العقلية هي دوما "تأويل". تأويل "ظواهر النصوص"وتأويل "ظواهر الطبيعة". والتأويل فعل عقل بشري قاصر بطبعه معرض للخطأ. ولكنه قوي بقدرته على مراجعة أحكامه وتصحيحها.

واذا كان فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها قد أمسك قلمه ولسانه عن "التبجح" والتنويه الذاتي الذين اتسم بهما خطاب كل من الغزالي وابن سينا، فانه لم يتردد، في مقابل ذلك، بالاعتراف مرات كثيرة بالقصور والنقصان. ومن ذلك مثلا اعترافه بأن ما منعه من التأليف في جزئيات الطب (الطب التجريبي) هو أنه لم يمارس مهنة الطب بما فيه الكفاية، يقول: "وذلك أني لم أزاولها كبير مزاولة اللهم الا في نفسي أو في أقرباء لنا أو أصدقاء". أما الطب النظري أو "الكليات" فقد ألف فيه، ليس فقط لكونه درسه في أمهات المراجع، بل أيضا لأنه كان يمسك بأصوله العلمية، أعني العلم الطبيعي.

وبعد، فاذا كان لنا أن نوجز مقومات شخصية ابن رشد في كلمات فقد يجب القول انه جمع بين العلم والفضيلة. كان يجسد بحق الفكرة التي قال بها سقراط، وهي أن المعرفة أساس الفضيلة. "الفضيلة علم والرذيلة جهل"، فالعالم لا يكون الا فاضلا في تصور سقراط. واذا كان هذا التصور لا يجد له تطبيقات كافية في التاريخ، فان ابن رشد كان بحق أحد أولئك القلائل الذين اقترن لديهم العلم بالفضيلة، ليكون حكمة ويكون صاحبه حكيما.

الفصل الأول - الدراسة والهاجس البيداغوجي

1- اطار "تقليدي" وأسئلة معاصرة


لم يخلف ابن رشد أي نص في السيرة الذاتية أو ما يشبهها على الأقل فيما بقي معروفا من نصوصه. وباستثناء فقرتين أوردهما عبد الواحد المراكشي في كتابه "المعجب"، رواية عن تلميذ لابن رشد، يتحدث فيلسوفنا في احداهما عن لقائه الأول ب"أمير المؤمنين"، وفي الأخرى عن اقتراح ابن طفيل عليه، باسم هذا "الأمير"، تلخيص كتب أرسطو و"رفع القلق عن عبارته ليسهل فهمها على الناس"، باستثناء هاتين الفقرتين اللتين ترويان على لسان ابن رشد، فاننا نكاد لا نعثر له على حديث عن شؤونه الشخصية، ما عدا عبارات سجلها قلمه، بين ثنايا هذا الكتاب أو ذاك، أشار في بعضها باقتضاب شديد الى ما سبق أن فعل أو ما ينوي فعله في مجال البحث العلمي والكتابة والتأليف، أو الى ما حركه الى تأليف هذا الكتاب أو ذاك؛ وأخبر في بعضها الآخر عن تنقله بين قرطبة واشبيلية ومراكش، مسجلا ملاحظات سريعة بعبارات مقتضبة جدا، أو معبرا عن احساسه بالغبطة أو بالمرارة مما له علاقة بوضعيته كفيلسوف. وبالجملة فكل ما سجله ابن رشد بقلمه أو روي عنه، مما يتعلق بشأنه الشخصي، لا يخرج عن مجال مسيرته العلمية.

أما كتب التراجم فتكاد لا تخرج عما قاله ابن الأبار في كتابه "التكملة" ومحمد بن محمد بن عبد الملك المراكشي في كتابه " الذيل والتكملة" وهذا الأخير أوفى مرجع في الموضوع. ومن هذين الكتابين ونصوص أخرى تكرر ما ورد فيهما أو تضيف اليهما أشياء أخرى غير ذات قيمة كبرى، يستقي الباحث عناصر موجهة لأي حديث عن سيرة ابن رشد. وهذه العناصر هي بالسرد التقليدي: أسرته ونسبه، دراسته، الوظائف التي تقلدها، تآليفه، نكبته ووفاته.

فهل سنتقيد بهذا النموذج التقليدي عند الحديث عن سيرة أكبر الفلاسفة في الاسلام، بل في العصور الوسطى عامة؟ هل نستسلم لما فرضه علينا تواضعه الجم من "نكران الذات"، وكأنه يريد أن يتميز، حتى في هذا المجال، عن الرجلين اللذين جادلهما وبين مواطن الشطط والخطأ في فكرهما: أبي حامد الغزالي الذي سجل بقلمه سيرته الروحية، كما أرادها، في كتابه "المنقذ من الضلال"، وأبي علي بن سينا الذي أملى تفاصيل عن حياته ومشاريعه الفكرية على أحد تلامذته؟

الواقع أن هذا النموذج التقليدي، "الجاف"، الذي تفرضه علينا كتب التراجم عند حديثها عن ابن رشد، يتحول الى اطار حي ملائم، اذا نحن عرفنا كيف نطرح فيه ومن خلاله، أسئلة معاصرة لنا نحن، حول الثغرات التي يكتشفها الباحث المعاصر في "المواد" التي ملأ بها أصحاب التراجم نموذجهم التقليدي ذاك، وعرفنا أيضا كيف نوظف، في سد فجوات ذلك النموذج وتوسيع اطاره، ما نجده في كثير من كتب فيلسوفنا من عبارات تعين على ذلك، وعرفنا أيضا كيف نربط ذلك كله بالأحداث التي عاصرها فيلسوفنا، السياسية منها وغير السياسية. ان الباحث الذي يطمح الى تجاوز ذلك الاطار الضيق الذي تتحدث عنه فيه كتب التراجم، مطالب بالتنقيب و"التفتيش" وبين ثنايا نصوصه، مع استحضار الأحداث السياسية التي لابد أن يتأثر بها كل من يعيش في وضعية تفرض عليه الاحتكاك المباشر مع رجال الدولة.

لنتحرك اذن داخل هذا الاطار "التقليدي" مع التركيز على طرح ما يتحمله من أسئلة معاصرة لنا، و"الحفر" بالتالي عن الأجوبة الممكنة التي تنطوي عليها، بصورة ما، المواد التي سجلها فيه المؤلفون القدامى، مع التنقيب في النصوص الرشدية المتوافرة لدينا.

2- النسب والأسرة


يتسلسل نسب فيلسوفنا، كما حققه صاحب "الذيل والتكملة"، عبر شجرة تضم ثمانية آباء ، فهو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن رشد. وهذا التناوب بين "محمد" و"أحمد" يدل على اعتزاز الأسرة بآبائها: فالولد يسمى باسم جده ليخلفه ويحافظ على ذكراه وليكون مثله. واذا سمي باسم أبيه فالغالب أنه ولد بعد وفاته، فيسمى باسمه تخليدا له وتأكيدا للاستمرارية! أما انحصار أسماء آباء صاحبنا في "محمد" و"أحمد" الى جده السابع (عبد الله) فيشير الى ارتباط الأسرة ب"خير الأسماء" عند المسلمين، اسم رسول الاسلام.

حاول بعض حساد فيلسوفنا الطعن في نسبه بمناسبة نكبته: فقد فرض عليه الخليفة الموحدي المنصور، اثر محاكمة صورية سنعرض لها فيما بعد، فرض عليه الاقامة الاجبارية في قرية أليسانة بجوار قرطبة، وكانت مسكنا لليهود خاصة. قالوا انما نفاه الخليفة الى هذه القرية "اليهودية" لأنه "ينسب الى بني اسرائيل وأنه لا يعرف له نسب في قبائل الأندلس". واذا كان صحيحا أن جل القبائل العربية في الأندلس قد احتفظت ب"النسب" الذي يربطها ب "أصول" لها في الجزيرة العربية قبل الاسلام، فانه لاشيء يبرر هذا التأويل: فقد قيل به لتفسير اختيار الخليفة نفيه الى قرية قريبة من قرطبة معظم سكانها كانوا من اليهود. والعلاقة بين الأمرين واهية، بل ومغرضة كما هو واضح.

على أنه لو كانت أسرة ابن رشد تشعر بالحرج في شأن نسبها لعمدت، وهي من البيوتات المرموقة صاحبة النفوذ المعنوي الكبير، الى اصطناع نسب عربي، كما جرت العادة يومئذ في المغرب والأندلس وبلدان المشرق. وصنع شجرات النسب أمر شائع معروف في المجتمع العربي والاسلامي. وقد سبق أن نسب ابن حزم الى رجل فارسي اسمه "يزيد" قيل عنه انه من موالي يزيد بن أبي سفيان، وهو من الفاتحين الأول توفي سنة 18ه. هذا في حين أن الأبحاث الحديثة تقول عنه، أعني ابن حزم، انه "خرج من أسرة من أهل أسبانيا الغربية كانت تقيم في لبلة، وكانت تدين بالنصرانية وظلت على نصرانيتها بعد الفتح الاسلامي أمدا غير قصير الى أن اعتنق حزم، جد صاحبنا، الاسلام في منتصف القرن الثالث الهجري". وصدق ابن خلدون الذي قال: "النسب أمر وهمي لا حقيقة له... وأن الصريح من النسب انما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب (=الأعراب) ومن في معناهم".

3- بنو حمدين: منع الرأي... والطموح السياسي


كان على رأس الفقهاء في الأندلس في هذا العصر، عصر المرابطين، أسرتان: بنو حمدين وبنو رشد. وبينما كان بنو حمدين طموحين سياسيا ميالين الى ترجمة مكانتهم العلمية والاجتماعية الى نفوذ سياسي مباشر، كان بنو رشد أميل الى الوقوف عند حدود الوجاهة العلمية والاجتماعية. ومن مظاهر الطموح السياسي لفقهاء بني حمدين الحملة الشرسة التي شنها كبيرهم أبو عبد الله محمد بن حمدين قاضي قضاة قرطبة على كتاب "الاحياء" للغزالي بمجرد ما وصل الى الأندلس. ومعلوم أن الغزالي كان يريد أن يجعل من كتابه "علوم الدين" فقها للروح بعد أن غرق الفقه الرسمي في "الرسوم" والشكليات وصار الناس يتخذون من الفروع أصولا، وخلا الميدان من العلماء المجتهدين. لقد "شغر منهم الزمان كما يقول الغزالي ولم يبق الا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا"، الى غير ذلك من العبارات الجارحة في حق الفقهاء والتي ملأ بها الغزالي مقدمة كتابه وبثها في ثنايا أجزائه.

لقد رأى فقهاء قرطبة في كتاب "الاحياء" دعوة مباشرة الى الحد من نفوذهم والثورة عليهم فتجندوا ضده، وقاد الحملة أبو القاسم ابن حمدين فأفتوا بتكفير من قرأ كتاب "الاحياء"، واستصدروا من الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين أمرا باحراقه. فجمعت نسخه وأشعلت فيها النيران في قرطبة وغيرها من حواضر الأندلس والمغرب وكان ذلك سنة 503ه، قبل مولد فيلسوفنا بسبع عشرة سنة.

ومن مظاهر الطموح السياسي لبني حمدين قيام القاضي أبي جعفر، أخي أبي القاسم المذكور، بركوب ثورة أهل قرطبة على الوالي المرابطي (بسبب اعتداء أحد جنوده على امرأة من أهل قرطبة!). خلع أهل قرطبة بيعة المرابطين وأقاموا حكما "جماعيا"، جعلوا على رأسه ابن حمدين هذا سنة 539ه. ثم ما لبث أن استبد بالأمر وتسمى ب"أمير المسلمين وناصر الدين". فقام ضده فريق من أهل قرطبة واستدعوا ابن هود (آخر ملوك بني هود في سرقسطة) الذي كان يقيم في كنف ملك قشتالة ففر ابن حمدين هاربا. ولم يمض الا وقت قصير حتى ثار أهل قرطبة على ابن هود هذا وطردوه وأعادوا ابن حمدين ثانية. ثم ان خصومه من الفقهاء وغيرهم استدعوا ابن غانية، أحد الثوار العتاة على المرابطين الذي كان مستوليا على اشبيلية آنذاك، فلبى دعوتهم وجاء قرطبة وأخرج منها ابن حمدين، فاستنجد هذا الأخير بملك قشتالة "النصراني" فدخل قرطبة سنة 540ه. غير أن ملك قشتالة رأى أن من مصلحته مهادنة ابن غانية والتحالف معه فنصبه على قرطبة.

جرت تلك الحوادث أثناء الحروب بين المرابطين والموحدين، وكان ابن رشد الفيلسوف قد ولد سنة 520ه بقرطبة، فعاش قسما من تلك الأحداث في طفولته وشبابه، وبقيت عالقة في ذاكرته كتجربة جديرة بالاعتبار واستخلاص الدرس. وذلك ما فعله في كتابه الذي اختصر فيه جمهورية أفلاطون، حيث ذكر تجربة الحكم الجماعي في قرطبة وتحوله، مع ابن غانية، الى استبداد، أو "وحدانية التسلط" حسب تعبيره، ذكر ذلك كمثال يؤكد نظرية أفلاطون في تحول "المدينة الديموقراطية" (=الجماعية) الى مدينة الاستبداد والطغيان.

ولما انتصر الموحدون على المرابطين وتمكن عبد المومن من تأسيس دولتهم والاستيلاء على مراكش عاصمتها سنة 541ه قصده ابن حمدين في من قصده من "الثوار" في الأندلس، ولكن بدون طائل، فعاد الى الأندلس واستقر بمالقة يجتر فشله الى أن توفي سنة 546ه.

4- بنو رشد..."الى العلم أميل"

.



Contemporary Artists | Past Artists | Events | Articles | Links | Sale | About | Registration Form | Advertising | Home

Design, layout, & graphics are copyright 1997-2017 OneFineArt - The Art for Everyone. All artworks are
copyrighted by their respective artists & owners. Do not use any graphics or artworks without permission.