Galina
Eydi
معرض الفنانة الروسية غالينا عيدي
خيوط لونية وأحافير
1
لا أدري ما الذي حدا بالفنانة الروسية غالينا عيدي حتى تنقلب على نفسها،
وتتغير، ويتغير اسلوبها الفني الذي كان واقعياً في معرضها الاول عن
الازهار والطبيعة، والموضوع الخارجي، فها هي الآن، تتغور وتتغول في
أعماق نفسها، وفي محيطات روحها الغابة بالازرقاق والاخضرار، ومع
انفعالاتها وأحاسيسها، تستخرج الدفين من هذه الروح، عبر مرئيات
ولامرئيات، وأحافير وآثار وأشنيات وطحالب، وأسماك وأصداف، وبعض الطيور
والحشرات، وشبكات معقدة من الخيوط الضوئية والشعاعات التي تتشكل في
جغرافية اللوحة، وفي تضاريسها وجيولوجيا أعماقها، وكأن لا همّ لها، سوى
تحاصد هذه الضياءات بطرائق حداثية، غير التي كانت عليها، وفيها من
الوعي واللاوعي، والفطرية والقصدية. ضمن اختباراتها، واختماراتها
الملونة، التي تتكاثف فيها، وتتلاطف، وتتقاطر، وتتهاطل وتنهمر، وكأن
الحلم بما تسرده هو الناظم لهذه اللوحات الشرقية الاشراقية، بامتياز
استخدام الذهبي والفضي. كذلك، قشور الاشجار، ورسم خرائط لعوالم ملونة
غير مكتشفة، سوى انها تتداخل فيها وتتخارج منها، وتتوه في متاهاتها
وهاوياتها، مطاردة مشاعر غابرة وتصورات لا حصر لها، فرارية وسرابية،
لكنها تعثر وهي تفتش وتكشف على ما تراه موائماً وملائماً لما تعتقده
الأنسب في التعبير عن هذه الهوامانات والهيامات، والاشواق، بروح طفولية،
عذبة، وفانتازيا حلمية، يتداور فيها اللعب بأشعة الالوان وخيوطها، كما
اللعب بالاشكال والأحافير والأسماك. وكأنها تذهب الى بدائية الانسان،
والى فطرته الاولى، وترجيعه الحضاري، واستذكاراته، كل ذلك عبر تماتع
المخيلة وانشائها في طي الألوان ونشرها. فوق مسطحة، تتكاتبها الفنانة
وتتقارأها، بالخطوط والألوان والمساحات التي تتغناها وتعمرها فيها،
وكأنها في تجريدات بنائية وغنائية. مشوبة بتعبيرات ذاتية، وتصورات
حلمية، تحزم فيها الضياءات، وربما الحرائق، وربما الضوء الذهبي
المتمعدن من الشمس، والضوء الفضي المتمعدن من القمر، ولا همّ لديها سوى
مقاومة الزمن، زمن اللوحة، وزمن الانسان، أي العمر الذي ينقضي مبعثراً
وهباء. حتى أن الكثير من أقواس قزح تنتشر في غيمومات وانطماسات لوحاتها،
التي تعبرها مناخات الفصول وألوانها...
2
ولتكن أحلامها ملونة ولتحوم وتحلق في سماوات تتبارق نجومها، وتتماهى
شعاعاتها، ولتكن تصوراتها داخلية وعميقة، فهي كأنما تفجرت في هذه
التجربة الجديدة، وذهبت في استغراق الألوان واعتشاقها الى الحد الأقصى
من سرابات الجسد والروح. ومن الشفافيات والرهافات التي تحتدم وتحمحم في
داخليتها، وهي تتصاعد بها، كأنما حسرات الى السماء. وكأنها تتجاسد
وتجمهر أنفاسها وحيواتها، ومراياها، وكل الضياءات والنورانيات،
والأمواه والأمواج، وكل الترقرقات والعذوبات، وكل الصبايات والغوايات
العاشقة، في متون لوحاتها وفي هوامشها، ولا فرق لديها اذا كانت تموسقها،
وتدوزنها، وتتواصل شعاعاتها في هواء الصالة، ممتدة بين لوحة وأخرى
متعالقة، تتواقت الفنانة فيها وتتواقع، تتماكن وتتزامن، وكأنها في
سياقات محمومة، وفي أعراف جياد متعرقة تتطاير عبر رياحها التي تثيرها
زوابع ملونة، تغامر فيها كي تصل الى غيمومات ملونة شعاعية عبر انطماس
أحافير الروح واستظهارها...؟
ولا شيء يوقف الفنانة عند حدودها المرئية، والتخوم التي ترودها، كأنما
تتداخل في حدائق مزهرة متلاونة، وهي كما لوحاتها كأنها في ربيع أبدي
للفصول، وتريد تأبيد ذلك وتخليده فيما يخامرها من مشاعر، حتى تذهب
وتغوص في اللامرئي، وتحاول استعراءه والافادة من أحافير الأعماف لتموين
لوحاتها، وتغذيتها، وسقايتها بمياه المخيلة، حتى تتشارق وتتغارب،
وتتبارق وتتراعد وكأنها في رنين الأجراس والآبار، والأسرار، وكأنها
تتكاشف جيولوجيا أعماقها، بكل الغبطة والحبور، والأفراح والكرنفالات
والأعراس الملونة، وهي تجاهد وتتقدم في مغامراتها، حتى حدود العنف
اللوني، في الرش والقصف والضرب، وكأن شبق الدم، هو الذي يزلزل أركان
الوجود، ويتراكم في سرابات الضوء والماء...
زهير غانم
اللواء 20/4/2006
►► Some
of the artist's artwork
|