Art painting, sculpture, photography, craft, poem, calligraphy, illustration, artisans, poets, writers, illustrators, gallery, event, musicians, actors, fashion designers

Home   Registration form   Advertising
 

Contemporary Artists

Past Artists

Events

Articles

Links

Sale

About

 





HotelsCombined.com - Hotel Price Comparison

HotelsCombined.com - Hotel Price Comparison

 

 

 

 

 


 

 

 

انطون قازان  - Antoine Kazan

انطون قازان - د. منصور عيد

"يا بائع الورد تنادي على الورد وتغضب اذا اتاك الشاري، فان فاتك ربحه ما فاتك ريحه".

هذا الكلام قاله أنطون قازان، واحد من زمن الأناقة الأدبية وفسحات الابداع، أطل صائغا ً تأشيرة الدخول الى عالم الجمال: الكلمة. أطل على مشارفنا الأخيرة من القرن المنصرم، حاملا ً في جعبته الأدبية جدلا ً راقيا ً بين أرباب النخبة: هل الأدب تفنن وابداع جماليات فحسب، أم هو تظهير لمعاناة واقعية والتزام؟ ونحن بين الآثنين نبحث عن الهروب الأبدي الى عالم الافتتان والجمال.

ويبقى بعد كل جدل حضاري سؤال هو: أين الخلود؟ والجواب في جانب منه هنا، الآن. نكرم الخالدين باستذكار انسانهم في جوهر ذاته، واستذكار وجودهم الكلي في أعمالهم. ونقول عن أنطون قازان الانسان المبدع: لقد جعل الأدب الأنيق بمستوى خلقيته المثالية، ونقاوة حضوره، ورفعة مكانته. كان حضوره، هنا، في زمن العطاءات الكبرى، وكان له حضوره في مصر، في الأهرام، وحضوره مكرما لدى ملك المغرب. وقد أغنى ثقافته من أغوار مناهل الفكر العربي، متعمقا ً بنهج البلاغة للامام علي، غائصا ً حتى الدر في الأعماق. نسمعه يقول مستلهما الجمال من ابداع أمين نخله: "المفكرة الريفية تداوى بها البشاعة". فهل هناك أناقة نقدية أرفع من ذلك؟ اذا، ولا عجب أن يقول سعيد عقل، بأنطون قازان، وهما ينتميان الى مدرسة واحدة، مدرسة الفن للفن.

يقول:

نصف شعري كان كي تقرأه لا تكابر أو هو القفر الجديب

أيها الصدقاء، حقي بالكلام عن انطون قازان يضيق أمام حق الباحثين المتعمقين الدكتور أنيس مسلم، والدكتور فوزي عطوي، وهما صديقان، لم يبخلا على الأدب وعلى منابره بأعمالهما ودراساتهما. فشكرا ً، وتقديرا ً للوقت الذي صرفاه، ولمشاركتهما في اغناء هذا اللقاء.

أنطون قازان - د. أنيس مسلم - جامعة سيدة اللويزة 16 آذار 2004


العودة الى أنطون قازان عودة الى الأصالة، وحد الى تراث لنا عظيم، ورفقة هذا الظريف الولع بصياغة النفائس، تريح البال من همومه، وتنشط الهمة، وتنعش القلب؛ أما قراءته الممتعة فتزيل ستائر الزمن، وتنسج من خيوط الغياب حضورا ً فيه نكهة الأبدية.

فشكرا ً لجامعة سيدة اللويزة على نبل بادرتها، هي السباقة أبدا ً الى الوفاء، وهنيئا ً لها تعرف كيف تعكف على لملمة كنوزنا المبعثرة، وكيف تحتفل بالأدب الراقي، وترفع، عاليا ً، ألوية المبدعين.

أيها السيدات والسادة

ان ما أحمله اليكم الساعة من جنىً، قليل من كثير أنطون قازان، حالفني الحظ فجمتعته باقات من حدائقه الزاخرة بالطيب، وأشياء الجمال، وغمرا ً من خصب حقوله وقد أشرقت فيها السنابل الشقر ثريات.

فالذي يذهب الى أنطون قازان، ويخلو به، ينادمه، ينصت له، ويستمع الى درره، يخرج من صومعته وهو أكثر اطمئنانا ً الى عافية اللغة وعبقريتها، وأشمل نظرة ً الى شؤون الفكر والأدب، وسلامة مسيرتهما ، وأشد تعلقا ً بلبنان، واعمق ايمانا ً بالله أرحم الراحمين.

فبين أنطون قازان وعصره تعاط موصول الأواصر، فقد لبى دعوته دون توان؛ وكان يغسل عينيه، كل صباح بضياء كسروان لتبقيا متعافيتين، قادرتين على اكتشاف الجمال، ونقل أبهى نماذجه الى قرائه.

ولكم نحن مدينون له باظهار المحاسن المخبوءة في الشعر والرواية والمقالة والخطبة؛ فقد كانت له، على مدى عقود ، نظرات ثاقبة في الانتاج الأدبي، ووقفات ناقد حاذق سلط فيها الأضواء الكاشفة على أعمال أغنت المكتبة العربية، ولولا قلمه الملهم، لبقيت طويلا ً، في الظل، أو اندثرت.

وقل أن نجد أديبا ً لبنانيا ً عايش الحركة الأدبية، في الثلث الثاني من القرن الماضي، كأنطون قازان. فقد شارك في أبرز النشاطات، خطيبا ً ومحاضرا ً وباحثا ً، وممهدا ً لغير كتاب، وناقدا ً من طراز خاص، تميز بذهن يقظ، وطواعية نادرة، وأناقة قل مثيلها؛ وفضله الكبير ليس في كونه سلط الأنظار على أهم الأعمال الأدبية والفنية وحسب، بل أيضا ً في كونه أرخ مرحلة ً من أسطع المراحل في الأدب اللبناني المعاصر.

كان أنطون قازان، الشاعر والكاتب والمحامي، أنطون قازان الرفيق، اللطيف، الشفيف النفس؛ فلا أقنعة ولا محاباة، ولا مجال لأية مساومة. طوية طاهرة لا أثر فيها لزغل او سوء نية. فالصدق، في هذا الرجل، لم يكن مثله الأعلى، بل جزءا ً من كيانه؛ فكأن أدبه جاء استجابة ً لا شعورية ً لنداء جان بول سارتر الداعي في "الكائن والعدم" الى "أن نكون ما نحن، ففي هذا نبلغ جوهر الكينونة".

فالمعضلة، ليست في أن يمسي الأديب مشهورا ً أو معروفا ً، بعد زمن من السهر والجهد، ونشر الأعمال الأدبية، بقدر ما هي في امكانية تحقيق الذات، وممارسة ملكة، أو المطالبة بحق أو تنمية موهبة بحرية. ولقد دفعت هذه المعضلة المستمرة أدباء ومفكرين كبارا ً الى مقاربتها، والتركيز على أبرز عناصرها، كل من زاويته الخاصة: جورج بتاي في معالجته المستحيل، وجعله محوريا في معظم أعماله؛ وألآن رنيه في الأمور التي لا يمكن اتخاذ القرارات الحاسمة بشأنها؛ وصموئيل بيكت في اغفال أسماء الناس والأشياء المتعذرة تسميتهم؛ ورولان بارت في الحياد والمحايد واشكاليات الكتابة.

وانطون قازان من أدبائنا الكبار الذين أعدوا القارىء لنبذ الرداءة، والجد وراء الاجادة؛ وكانت يده على الانتاج الأدبي في الستينات والسبعينات، أندى من كل يد عرفتها تلك الحقبة. فالفكر والشعر رافقا كتاباته، فتحولت كلماته من مجرد تعبير لتغدو تصورا ً كالضوء واللون والرائحة، على نحو ما ذهب اليه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في تأملاته الرائعة في شعر فريديريك هولدرن، اذا اعتبرهما (الفكر والشعر) جزءا ً لا يتجزأ من كينونة الشاعر.

ولعل نضارة قلبه، وطهارة روحه حمتا تواضعه من لوثة الكبرياء، ومسكنة التشوق، فبقي عمره مساويا ً لذاته، هو المبدع الذي تألقت أعماله في سماء الأدب كما الثريات في ليالي السهر والسمر والمنادمة في كروم زحلة العالية؛ لهذا، ما اجمع القراء، في لبنان على محبة أديب كما أجمعوا على محبته، وقد قرنوا بالثقة والاحترام.

لقد عرف أنطون قازان، مثل زميليه بول فاليري وبول كلوديل، لحظات الافتتان القصوى في الابداع، فاخترق ظهر المرآة؛ كما في الحلم، ليولد انسانا ً سويا ً على تخوم المطلق.

أيها السيدات والسادة

ان نحن تناولنا الأديب في أنطون قازان أطل علينا الفنان المبدع والصوفي الورع، واللبناني الكبير ناصع الجبهة، وصاحب الهمة العالية، المصلح الفذ ذو القدرة على استنهاض العزائم، ورفع المعنويات انسان الذوق المرهف، المستقيم، الوفي الأمين.

هذه الصفات جميعها، ليست كرما ً مني، كما يمكن أن يتبادر الى الأذهان، بل استخلصتها من قراءتي المتأنية مجموعته الكاملة، وترصدي بضع كلمات توالت في الجزء الثاني من المجموعة اعتبرتها بمثابة مفاتيح لأبواب نلج منها الى جنة أدبه الراقي. فقد احتلت، في احصاءات أجريتها، كلمتا الابداع والخلق الفني المرتبة الأولى اذ وردتا 166 مرةً، واذا أضفت اليهما عبارتي الجمال والحسن وصل الرقم الى 218، وجاءت في المرتبة الثانية كلمة الله 97، وحلت في المرتبة الثالثة كلمة لبنان 94، وفي المرتبة الرابعة كلمتا النهوض والترقي 72، وفي المرتبة الخامسة كلمتا العنفوان وعزة النفس 45، واخيرا ً كلمتا المعرفة والعلم 24. وردت هذه العبارات في خمسين عنوانا ً، بلغ مجموع صفحاتها مائتين وعشرين صفحة.

فأنطون قازان الفنان المبدع، حبره من دم قلبه؛ يكتب وهو يتأمل؛ ان وصف بحث عن المحاسن في الناس، وتجاوز البشاعات، وما يمت اليها بصلة؛ وان قارب كتابا ً، نظر اليه بعين العالم المدرك مشقة الخلق، محاولا ً استكشاف جمالات محتوياته، وتسليط الضوء على الجديد الذي يحمله الى القراء، كل ذلك بأسوب رشيق، متين، مشرق، أرستقراطي الملامح على نزعة عقلانية بينه.

وكما كبار المحامين، كان أنيق العبارة، فصيحا ً بليغا ً، سيدا ً في المنطق؛ تشبثه بالحق وحرصه على الحرية لم يكن يوازيهما سواء أكتب ام ترافع امام المحاكم، غير نصرة العدل، والدفاع عن كرامة الانسان وحقوقه الأساسية.

كمغامر فينيقي أبحر في الأدب، حمل قلمه، نشر شراعه وانطلق. راد المجهول ما بين الموانىء والأفاق القصية، وعرف قيمة المنارات في بلوغ السلام، ومحاج السلامة. اصطاد اللؤلؤ كأمهر غطاسي اليمن السعيد، فجاءت قصائده ومقالاته أوسمة ً على الصدور، وقلائد من زمرد في عنق الأدب اللبناني.

لقد برع في البحث عن الجمال حتى ليخاله القارىء حصاد الخير في المواسم؛ لا تفوت قلمه الغض مناسبة جني. سباق هو، في مواسم الوفاء، لا يجارى في تسليط الأضواء على الفضائل وفي الوفاء؛ تلبيه الخواطر أيما تلبية، وتستجيب اللغة رغبته في برء الطرف كأنها تكافىء ما عاناه لتحقيقها.

ولأن البسمة فجر الجمال "فقد غدت للمصلحين سبيل بلوغ" و "ان شعبا ً ضرب العبوس عليه لشعب ولا رجية... وان أمة ً تفاكهت أرق الله حسنها وداوى باللطف آفاتها وبلغها ما في نفسها.".

كاد الطريق الى الجديد والحديث والطريف في الأدب اللبناني، في فترة منورة من تاريخ لبنان يمر، حكما ً، بما يمهد له أو يقدمه أنطون قازان؛ فاذا فوت القاىء غيث هذا القلم البهي فاتته أغمار من الأعمال الأدبية المباركة.

كان أنطون قازان المؤمن بالله، صوفيا ً من نوع فريد نادر؛ يكتب وكأنه يصلي؛ بل كانت كتاباته صلاته اليومية؛ لا يفوت طقوسها، ولا يتأخر عن مواعيدها؛ فكأني به، وهو الضليع في تاريخ الآداب والعلوم العربية، يضع في الممارسة هذه المقولة الاسلامية القديمة: "ان حبر العلماء أعز لدى الله من دم الشهداء". هو القائل في مقدمة كتاب عبد الكريم شمس الدين: "أنت الزارع يا الله" والمتسائل المدرك "أليس الأدب أن تعطي ما تعاني، وأن تعطي ساعة أنت تعاني؟"

كنبي ً كان يحضر ساعة يستدعيه الحضور، والى حيث يدعوه فيقول كلمته ويغادر؛ وفي حضوره كما في غيابه كانت كلمته تشرق كالعنبر، وتبوح، كزهر الليمون في سواحلنا، بحنينها الأبدي الى الله.

أما أنطون قازان اللبناني الكبير، فحدث عنه ولا حرج. تكاد لا تخلو مقالة من ايحاءاته أو تنأى جملة عن عبير ياسمينه وفله أو تغفل الاشارة الى واحدة من خصائصة؛ ففي كلام له من الاغتراب اللبناني وردت كلمة لبنان عشر مرات؛ وفي تقديمه سعيد عقل في "الذوق" مجد لبنان، كما لا أحد، قال: "هذا المتعبد للبنان لا يملك شبر أرض من لبنان... على أنه كولي الوقف، لا يملك شيئا ً ويملك كل شيء؛ له الخواطر من لبنان، وله القلوب من لبنان".

وفي مقالة كتبها في كانون الأول 1967 عن أمين تقي الدين أشاد بالأمين، اللبناني المثال الذي "كرمت عليه نفسه فهانت لديه الدنيا... خلق ليغني لبنان، وهو اللبناني الذي "كرمت عليه نفسه فهانت لديه الدنيا... خلق ليغني لبنان، وهو اللبناني الذي عاش أمير خلق بقليل زاد". حتى"لتحار في أيهما المتكلم" على حد تعبير اميل كبا في مقدمة الجزء الثالث من المجموعة الكاملة: "هو أم كل حبة من تراب ارضنا ألقت حمولة طيبها، وطيبتها عند رصيف عينيه".

وانطون قازان المؤمن، المبدع، قيثارة لبنان، ورسام محاسنه، وطرف أهله، كان، الى كل هذا، رجل الارادة الواعية، والضمير الحي، ورجل النظام الذي يتقن الغوص في أعماق الناس والأشياء؛ مصلحا ً من طراز فريد وافر الخفر، يعرف كيف تستنهض الهمم، وكيف تزال الأغشية عين العيون، وكيف تمهد السبل للانطلاق صوب القمم. لنسمعه يتكلم في تقديم بطرس ديب "حفيد الدفعة الراجحة" المحاضر عن "رسالة لبنان" يضيق النهار عليه مضروبا ً بليله، فالأربع والعشرون قليلة... وقف أمام ضميره، وآمن أن لكل مشكلة حلولا ً. فهو ساع دوما ً على أشواك المبهم، يقتحم الصعاب بشمول نظر وثقة بلوغ".

وبعد، ان أدب هذا المتنكر لذاته حتى الحياء الريفي، الذاهب في غيريته الى الأبعاد في النفس البشرية، غني بالأفكار والمشاعر والمعارف، وكأنه جماعة في رجل فرد راق، في خصوصيته وشموليته، وبهجه المميز؛ وهو مثل السماء يستحيل على الناظر اليها بعينيه أن يرى العمد التي تقوم عليها.

تقرأه فتضيء شمس، ويهل غيث، وتندى لواعج جففها العطش.

ويا أخي أنطون، كلما أبعدنا الزمان عنك، حملنا الشوق اليك، وردتنا الأصالة الى روي عذب لا يزال يتدفق من فيض ينابيعك.

أنطون قازان في مهاب الشعر - د. فوزي عطوي

"المحاضرة التي ألقيت في جامعة اللويزة - زوق مصبح ليلة الثلاثاء الواقع فيه 16 آذار 2004"

لست أخشى على أنطون قازان من مقاربتي أدبه، ولكنني أخشى على نفسي من مقاربة ترك لي فيها الخيار، فكانت الحيرة الحقة أولى تجليات العقاب الذي يناله زاعم أنه المقتدر على حبس أمواج يم خضم بين أهداب صدفة لن تنم، في حال من الأحوال، الا عن اللؤلؤ المنظوم والمنثور، وقد تمادى به الفرح حتى غمر ظلمة الأيام الماضية، وأرخى على الأيام الآتية معاطف السناء والضياء، فنمنمة العطر والسحر في ثنايا بوجه العبقري!

ولطالما تعثرت، حينا ً بعد حين، بعقبات كأداء حاولت عبثا ، أن تحول دون ايفائي ما علي للصداقات من رصيد مدني، لكن للصداقات سعفتها تمرغ بها انف اليام الحرون، وفي سياقها يد لأفي وصديقي المحامي شوقي قازان اذكرها واشكرها، اذ كان قد خصني، يوم صدرت المجموعة الكاملة لأعمال انطون قازان، بنسخة أنيقة شقيقة احسبها تليق بالغائب الحبيب الذي ما شهدت عليه، على تمادي ألمه الدفين، جسدا ً ودمعا ً، الا الصباحة والملاحة، وما تبدت لي طلعته، مقيما ً بيننا وغائبا ً عنا، الى ذلك المشرق الذي لا يليه غروب، الا وهو سخي فصاحة في القول، ورجاحة في العقل، ناهيك تلك العاطفة الندية المشبوبة، المنسابة من قلبه الى كل القلوب من حوله، وكأنها العبق الشذي، يخالجك حيث انت، ولا بنتظر منك اذنا بالولوج الى أعماق كيانك!

وحين أبلغت انني شريك أخي وزميلي الكبير الاستاذ العميد الدكتور انيس مسلم في احياء ذكرى انطون قازان، أديبا ً، توجست أن أقع في التكرار بعد قول فصل، يقطع به الزميل العميد.

لكنني، وأنا أقلب "المجموعة الكاملة" توقفت أمام ظاهرة كنت ألمسها تماما ً، من قبل، فاذا هي في تجليها الصانع، تؤكد لي أن الرجل الذي كان متعدد المواهب والمهارات، على صعيد المحاماة والدراسات الحقوقية، وعلى صعيد الخطابة والنقد الأدبي، كان قبل كل شيء، وبعد كل شيء شاعرا ً بامتياز، حتى لتكاد تدرك، دون ان يوقع امسه تحت ما يخط بنانه المشبوب، انك بازاء أدب قثازاني أصيل لا تنساق سلاسته، ولا أناقته ولا بلاغته ولا غور أعماقه ولا شأو أبعاد، لغير انطون قازان.

ولعلي أحاذر، بكل صدق، مجاملة ً لم تكن تستهوي انطون قازان، ان انا قررت منذ البداية ان أولى مزاياه كانت تلك المنهجية الدقيقة التي لا يضيرها أنها توجت قطعة قليلة الاسطر، أو واكبت بحثا ً رحب الجنبات، فما تكاد تبدأ بقراءة خطاب له أو تقديم أو مقال أو بحث أدبي حتى تشدك السطور الى صدرها. فلا تتركها انت أو قل لا تتركك الا وقد ترديتما شما ً وضما ً وتساقي كؤوس من سماحة الأرواح!

لقد كتب انطون قازان شعرا ً، وكتب عن الشعر والشعراء، وكتب عنه حملة الأقلام وخصوه نثرا ً وشعرا ً، بفيض من الأطايب مترقرقة ً كالنائم النثوى، متهادية ً مفعمة ً بذلك الهدوء المطمئن على صفحات البحيرات.

وأبدأ فيما كتبه عن الشعر، فأراه نجي حداثة لا قرض بالتنكر للأصالة، وهو اذ يسأل عن رأيه في الشعر الحديث؟ يرى أنه انطلاق وقلق، وأما الراسخ الرأي فهو انتظار وهو يصر على توافر النعم في الشعر "اما النغم فأحب أجزاء الشعر وألصقها بحقيقته، انه صلة الشاعر بالعلى"، ويرى ان القضية لها قضية شعر تزييني، دائما ً للمستوى الشعري حرمة هي للقديم وللجديد معا ً، فاما ان نحافظ عليه والا فنثرا ً.

ولا شك عندي في أن انطون قازان، في ديبلوماسية نقده، لم يخف عن الراغبين في كتابة الشعر، بغير أدوات فنية أو بغير موهبة. أن أفضل ما يفعلونه هو الاقلاع عن الالتصاق بالشعر المزور عنهم والاتجاه الى النثر، فكم من ناثر شاعرا ً. وما أنا بذاهب الى أبعد من انطون قازان نفسه، ومن جبران خليل جبران، ومن أمين نخله، ومن يونس سلامة وسواهم من شعرائنا الذين وهبوا القدرة الى جانب الشعر على كتابة نثر فيه من الشاعرية ما ليس في الكثير من قصائد التفعيلات المنظومة التي لا تهز لنا كيانا ً، وانما قد تشعرنا بالغثيان لكثرة ما فيها من غثاء!
ولطالما ردد أنطون قازان تلاوة فعل ايمان بالحب والفرح، اقنومين أساسيين من أقانيم الشعر، ومن معنا ترحيبه بشعر سعيد عقل، وايليا ابي ماضي وسواهما من الشعراء القادرين على زرع الابتسامة حتى في قلوب الحزانى، وتعريض بتلك السوداوية المفتعلة الآتية الينا من خارج التراث العربي، كما فعل بالنسبة ان بعض ما كتبه ادونيس (علي احمد سويد) ورشيد أيوب من شعر، وكما فعل في حذر من تمادي العتمة في انتشارها على يد المزعوم شعرا ً حديثا ً، فقال: على انه يخشى من تمادي العتمة في انتشارها، فهي تخيم أكثر فأكثر: (الاشياء الميتة، والرماد، والمقابر، والجيف والتراب، والغبار والخراب والهدم، والجوع، والموت) كادت تستأثر بالشعر الحديث، حتى أن الحب وجدته الدائمة، يكاد يغيب عن هذه الحركة، اللهم الاه في نواحيه المظلمة، ومن أسباب ذلك اتصال وثيق بالتيارات الغربية، ولا سيما الفرنسية المعاصرة التي يكاد يختصر وجودها الشعري بموضوعي الحب المظلم والموت.

ولم يكتف انطون قازان بهذا القدر، بل عمد كما يفعل الصائغ الخبير بالجواهر، الى الحديث المطول عن الغناء وكيف لا يفعل، وهو يعلم، وكلنا يعلم، ان أرقى شعارنا كان الشعر الغنائي، ولطالما ذكر بأنه في حديث الغناء المغنين ما يذكر الشعراء بخاصة الفرح في الأدب، تلك الخاصة التي دعا اليها أمين الريحاني في كتابه "انتم الشعراء"، وجاء سعيد عقل يقدم الدليل في "رندلىً" على أنه الفرح في الشعر يغني كالألم! (المجموعة الكاملة، ص 16).

ولعلي أدلل على مدى ولوع انطون قازان بالفرح والبسمة والطرفة، من خلال وقفته الحيية والممتعة في آن أمام ما كان يروى عن الخليفة "الواثق" الذي كان اذا شرب، رقد في موضعه ومن كان معه. فحدث ذات ليلة أن جميع جلسائه انصرفوا الا واحدا ً تراقد. فلما خلا المجلس، كتب الى جارية الواثق رقعة ً جاء فيها:

اني رأيتك في المنام ضجيعتي مسترشفا ً من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننا بتنا جميعا ً في فراش واحد،
ثم انتهيت، ومنكباك كلاهما في راحتي وتحت خدك ساعدي
فقطعت يومي كله متراقدا ً لأراك في نومي، ولست براقد!

فأجابته الجارية - المغنية على ظهر الرقعة:

خيرا ً رأيت، وكل ما أملته ستناله مني، برغم الحاسد
وتبينت بين خلاخلي ودمالجي وتحل بين مراشفي ونواهدي
ونكون أنعم عاشقين تعاطيا ً ملح الحديث بلا مخافة راصد.

وعندما كان أنطون قازان يكتب عن شاعر او يقدم لشاعر، كان يتجاوز التعريف والتحليل الى اثارة قضايا أدبية وشعرية كبرى، كما فعل في كتاباته الكثيرة عن شاعرنا الأكبر الاستاذ سعيد عقل.

وكما فعل فيما كتبه عن الياس ابي شبكة شاعر "غلواء" وكذلك الأمر بالنسبة الى الأخطل الصغير، وايليا أبي ماضي، وأبي العلاء المعري، والشاعر القروي، وصلاح لبكي، ونعمة قازان، وأمين نخلة، وجورج غريب، وشبلي الملاط، وعبد الله غانم، ومحمد علي الحوماني، وعبد الكريم شمس الدين، وععمر ابو ريشة، ونقولا فياض، وحافظ جميل).

قلت، منذ البدايات، ان أنطون قازان كتب الشعر، وقد انتظمت قصائده في الجزء الرابع من "المجموعة الكاملة"، وجاء هذا بمثابة اللؤلؤة الحيية الحجم، الناهدة مبنى ومعنى بما تلفعت به من مطارف الجمال، وان يكن معظم ما فيه من قصائد قد فرض على الشاعر فرضا ً، كما يهمس سعيد عقل في مقدمته، وانها لايماءة بارعة من شاعرنا الكبير الى مدى العنت الذي يعاينه الشاعر، يوم تكون مشاركته مفروضة عليه بفعل المناسبة الطارئة، وان يكن المطلوب أساسا ً، حتى في شعر المناسبات، ان يرفع الكلام الظرفي المتسلل بخفر، الى مستوى الشعر الشعر، كما فعل أبو الطيب المتنبي الذي أنستنا حكمه ووجدانياته اطار المناسبات التي قيلت فيها قصائده.

ومع هذا لا يفوت سعيد عقل ان يبدي اعجابه بأنطون الشاعر المقل: "يا قلما سيقرأ مستلهما ً، اذ على هذه القلائل المشرقات جرى المداد يقول ما لم يقل، واستيقظت الطبيعة من اجل طلع ما مر زهره ببال، ولا ورسه على غصون حلم" (المجموعة ج 4 – ص 70)

ألم يقل سعيد عقل، مخاطبا ً أنطون قازان، في يوم ذكراه في مهرجان الأونيسكو:

نصف شعري كان كي تقرأه لا تباعد، أو هو القفر الجديب!
ألم يقل له ايضا ً:

يا شقيق الديم انهالت على جبل فهو بما تهوى خصيب.

لكن الانصاف يحتم تجاوز شعر المناسبات، لدى انطون قازان، الى تلك الوجدانيات الراقية التي تجلوه لنا، وقد دان بدين الحبيب الواحد، حتى لقد أخذ عليه الناس أنه يجد الخطى في طريق "الحب الضيق". ألم يقل قصيدته "أنا ان ذكرت" (المجموعة- ج4- ص 29):

مهلا ً جنون الحب، حسبك انني الاك في دنياي لا أتعشق
أنا ان ذكرت سواك، لم أذكر رهوى، أخلصت حتى قيل: حب ضيق
فتح الفؤآد على هواك مع الصبا وعليه، يا وحي اليراعة يغلق!

ولا يخفي أنطون قازان حنين ذكرياته الى أيام ماضيه (ج4- ص 36):

ذكرت في عزلتي أيام ماضينا لا الحب باق، ولا عهد المحبين
يا حبذا زمن الأحلام من زمن تحيا العيون له لوعادها حينا !
ان قلت دنيا، فحب كان يجمعنا أو قلت عمر، فليل من ليالينا
أمر الحي بعد الهجر اسأله: هل مات فيه الهوى أم هجعة فينا!
نغفو على خمرة الساقي ونشوتها ونستفيق على اغفاء ساقينا!

وبعد

تعود الى خاطري تلك المهرجانات التي انعقدت على ذكرى أنطون قازان في قصر الأونيسكو، وفي معهد الرسل، وفي مركز توفيق طبارة بدعوة من "الأوديسة" ورائدها الصديق الشاعر الكبير هنري زغيب، والتي شرفت بالمشاركة في بعضها، وما زلت أذكر اشارة النصر التي اعلاها لي سعيد عقل وهو يرحب ألطف الترحيب بقولي في انطون قازان:

يا نافح الشعر أحلاما ً مجنحة ً ورافد النثر ضوءا ً يشعل القمر!
ان بحت بالشجو صيرت المنى غررا ً أوهمت بالحب وزعت السنا دررا
فللأنامل سحر ليس يعرفه من لم يداعب، على انغامك الوترا
حديثك الحلو لم يبرح خواطرنا نشتاق ما بان من نجواه واستترا
ان قيل: من فارس الفصحى وحارسها؟ تلفت الهدب صوب "الذوق" وانكسرا

وتحية لروح انطون قازان، في يوم ذكراه،
وتحية لجامعة سيدة اللويزة - صرح الوفاء للقيم العلى،
وشكرا ً لكم من القلب.

.



Contemporary Artists | Past Artists | Events | Articles | Links | Sale | About | Registration Form | Advertising | Home

Design, layout, & graphics are copyright © 1997-2017 OneFineArt - The Art for Everyone. All artworks are
copyrighted by their respective artists & owners. Do not use any graphics or artworks without permission.