Saloua Raouda Choucair Personified the Spirit by Helen Khal
تجسيد الروح
بقلم هيلين خال
يقوم فن سلوى روضة شقير، في جوهره، على مفاهيم فكرية تعكس تفهماً عميقاً
للروح الإسلامية العربية. ويعيش فنها كجسد مجرد نقي لهذه الروح، وقد
كان كامل التكوين منذ ولادته. لم تتوصل الفنانة إلى أساس فنها غير
الموضوعي بصورة تدريجية خلال سنوات من الاستكشاف، بل صممته بعزم شديد
ومتعمِّد في لحظة معينة من الزمن منذ أكثر من خمسين عاماً.
بدأت سلوى فنها عام 1943 خلال إقامة متطاولة في القاهرة. هناك، لدى
زيارتها للمعالم الإسلامية القديمة للمدينة، انجذب بصرها بالمدى الرائع
للثقافة الرفيعة والأناقة المتجسدة في الفن والهندسة الإسلاميين.
وارتكزت الصور التي احتفظت بها في ذاكرتها، دون تفكير واع ٍ لمعناها،
على تركيبات غير متناهية من الخطوط والأشكال المترابطة. ولقد حدَّقت
بدهشة إلى جمالها، وإلى الانسجام المثالي في أسلوب تعبيرها، غير مدركة
أنها تتضمن عناصراً هندسية أساسية ستقودها فيما بعد لتصبح أول فنانة
تجريدية معاصرة في العالم العربي وواحدة من أروع نحاتيه.
كان تطور الفن المعاصر في جميع أنحاء العالم العربي ما زال يمر في
مرحلة المراهقة في ذلك الحين، مقارنة مع المستوى العالمي. فعلى خلاف
الفنانين الذين اشتركوا في الثورة الإبداعية المتواصلة في أوروبا منذ
مطلع القرن العشرين، كان لا يزال الفنانون العرب في مرحلة الاستكشاف
والبحث عن أسلوب تعبيرهم مستعينين بمفاهيم ومواد تقليدية أساساً. وصحيح،
انهم كانوا قد تخطوا آنذاك أشكال الفن الكلاسيكي القديم وتوصلوا إلى
المدرسة الانطباعية الفرنسية، لكن الفن التجريدي كان أمراً مختلفاً. إذ
كان يشكل بالنسبة لهم لغة أجنبية لا تزال غير مفهومة. ولكن بالنسبة
لسلوى، كانت تلك لغتها الأم. فهي كانت تملك تفهماً طبعياً وغريزياً
للأفكار التجريدية منذ بدء خوضها للفن، دون إرشاد أو تعليمات، وكانت
تعلم تماماً كيف توجه قدرتها في الاتصال لخدمة أهدافها.
ظهر الحافز الفكري الذي دفع سلوى إلى ممارسة الفن والتعبير بصورة واعية
عن مفاهيمها التجريدية في عام 1945 بينما كانت تتابع دراستها في
الجامعة الأمريكية في بيروت. فهناك أصغت يوماً إلى أستاذها في الفلسفة
يمجد تفوق الفن اليوناني على الفن الإسلامي. وكان قد بنى نظريته على
أساس المعتقد بأن الوحي في الفن اليوناني يرتكز على تصوير الجسم البشري
بينما الفن الإسلامي، ولأنه يخلو من الإشارة إلى الإنسان، فهو ليس أكثر
من فن زخرفي من الدرجة الثانية. جرحت مشاعر سلوى بعمق بما اعتبرته
تصريحاً متحيِّزاً وخاطئاً، وبدأت فوراً بدراسة مقارنة للحضارتين،
ساعية إلى كشف النقاب عن الروح المحركة وراء فن كل حضارة. لم تتوفر
الإجابة بسهولة ولم تأتِ عن طريق التفكير فقط.
اهتمت سلوى دائماً منذ طفولتها بالفن وعشقت الرسم، خاصة رسم الوجه
البشري. فكانت طوال سنواتها المدرسية تجد متعة في تسلية زميلاتها في
المدرسة برسوم كاريكاتورية مفرطة على اللوح لأساتذتها. وكثيراً ما كان
يطلب منها تحضير ملصقات ومطبوعات أخرى للاحتفالات المدرسية، لكنها لم
تكن تمارس الفن بشكل مطلق أبداً. مع ذلك، فالآن، بوجود مهمة معينة في
ذهنها، بدأت سلوى الرسم بعزم جدّي. ولفترة من الزمن، أخذت دروساً مع
عمر أنسي، أحد كبار الفنانين في لبنان، حول كيفية رسم مناظر انطباعية
مباشرة من الطبيعة. لكن بالنسبة لذهن سلوى الفضولي، كان التفسير
الرومانسي للعالم المحيط بها خال ٍ من الإثارة، مثلما كانت التواريخ
والوقائع التاريخية المضجرة التي درستها في المدرسة. فخلال هذه المرحلة
المدرسية، أخفقت سلوى في مادة التاريخ بطريقة ميئوس منها بينما أحرزت
بسهولة علامات مرتفعة في الرياضيات. وعندما بدأت باستكشاف الأسس
التخطيطية التحتية للفن الإسلامي، أدركت بحدة العلاقة الوثيقة القائمة
بين الرياضيات المحضة والفن. ووجدت أن هذا ينطبق بصورة خاصة على الفن
الإسلامي وأدركت أيضاً أن الأناقة الرياضية المنظمة لهذا الفن هي التي
أثارت أصلاً اهتماماتها البصرية والانفعالية وهي التي توجه الآن
اندفاعها الإبداعي.
انتقلت سلوى بتمهل من النظرية إلى الممارسة، حيث بدأت في أواخر
الأربعينات في إنتاج ما أسمته "بالرسوم الهندسية"، وهي مؤلفات مستوحاة
لا من أي صور زمنية يمكن تمييزها، لكن من خلال الإدراك الحسي البديهي
لواقع عالمي مجرد. فلقد استعملت الخط المستقيم والقوس – العنصران
الأساسيان في التصميم الإسلامي – لاختراع أشكال هندسية أساسية جمعتها
في تباينات حول موضوع واحد. تستند كل من رسومات تلك الفترة على التفاعل
المدروس بدقة للمواضيع المتشابهة. وهذا التفاعل مكرر، ومعكوس أو متشابك
في تركيب رياضي متوازن يذكر بالروح المنظمة للفن الإسلامي في طريقة
مبتدعة كلياً. ففي كل من الرسومات، يضفي الخيار المدروس للألوان
المتضاربة قوة إضافية على الطاقة الحيزية للرسم المؤلف.
عندما عرضت سلوى رسوماتها الهندسية لأول مرة عام 1947، لم يبال
الفنانون ونخبة بيروت المثقفة بهذه الرسومات، مثلما لم يكترث لها
أستاذها في الفلسفة، الذين وصفوها كفن هاو ٍ وزخرفي. لكن رفضت سلوى
العدول عن فنها بالرغم من ملاحظاتهم المتكبرة هذه، واستمرت في دعم
معتقداتها بالكلام والأفعال على السواء. وفي مقالات كتبتها حول هذا
الموضوع عبر السنين، أعطت سلوى صورة وجيزة على ما كانت باعتقادها
العناصر الأساسية المهمة الملازمة للفن العربي الإسلامي. ولقد كتبت في
إحدى هذه المقالات، بعنوان "كيف فهم العرب فن التصوير" (مجلة الأبحاث،
حزيران 1951) ما يلي:
"لم يكترث العربي بالواقع المحسوس المنظور أو الحقيقة كما يراها كل
إنسان. بل ذهب في بحثه عن الجمال إلى جوهر الموضوع مجرداً إياه من كل
الشوائب التي رافقت الفن من زمن الإغريق حتى أواخر القرن التاسع عشر.
لم يستعمل العربي وهم الأبعاد ولم يعطِ حقيقة مشوهة لإبراز فكرة، ولم
يسخِّر التصوير في خدمة الأدب ولم يشأ أن يلحق بالفن روحية ليست في
جوهره."
"العرب هم أدق الشعوب حساسية لفهم الفن. لذلك طرقوا الموضوع في جوهره
مجرداً. التصوير له أثره وقيمته في نفسه. فلا يجب في نظر العربي أن
يلحقه بغيره من الفنون ليكسب درجة الكمال. في الأدب "الكلمة" وفي
التصوير "اللون". فلم يمزج العربي الاثنين معاً. إن العربي في بحثه عن
الجوهر في فن التصوير يصفيه ويجرده من الشوائب لإرجاع كل شيء إلى روحه
الصافية."
"فلاسفة العرب كانوا صوفيين. معرفتهم بالتجربة لا بالحوار المنطقي.
الخيال المجرد من شوائب الواقع يُلهم بشكله التجريدي، شكل يمتد إلى ما
وراء الزمان والمكان ويفوق الحدود الزائفة للتصور المتسلسل المنطقي
ليصل إلى الخلود الأبدي. وللعثور على هذا الجوهر، بحث العربي على صورٍ
كانت أكثر واقعية من الواقع المعروف."
"لم يفهم المستشرقون الأوائل، الذين غالباً ما استعملوا كمرجع لجميع
مظاهر الإسلام، حقيقة الفن الإسلامي. لكل حضارة مبدأ وموقفاً، والمبدأ
هو موقف إيمان الإنسان. آمن الإنسان البدائي بخوارق الطبيعة، مثل الرعد،
والبرق والزلازل. وآمن الإغريق بتعدد الآلهة الذين يتحلون بميزات بشرية،
ومن هنا كان تمجيدهم للجسم البشري. أما اليوم، فالعلم والتكنولوجيا هما
الآلهة المسيطرة على عالمنا."
"الإسلام آمن بإله واحد. والتوحيد هو الشهادة بأن لا إله إلاّ الله.
لكن المتصوف فقط سعى ووصل إلى أسرار التوحيد... بأن الله هو الحق.
والحق تعالى عن المكان وتفرَّد عن الزمان واحتجب عن الكشف وتقدس عن
إدراك العيون... والله يُعرف بل يُحس بتجلياته التي تظهر بنظام إلهي
دقيق كامل، شديد الضبط، منسق على إيقاع الخالق، حيث يتساوى الإنسان مع
ورقة نبتة."
لعل هذا المبدأ المرشد للصوفية هو أفضل وصف للحقيقة الشاملة لفن سلوى:
إلهام يتدفق في موجة مد كبيرة تنبع من محيط اللانهاية إلى شواطئ عالمنا
المتناهي، وكل إلهام يجري وينحط لكل فرد يدخل نطاقه. ليست هناك سوى
مياه واحدة، وموجة واحدة، لكنه لا يوجد إلهامان شبيهان ظاهرياً. يرتكز
فن سلوى على تغييرات تطرأ على مفهوم أساسي واحدٍ يمكن تشبيهه "بموجة
واحدة" يتدفق منها عدد لا يحصى من الإلهامات وكل إلهام هو فريد في ذاته.
وهناك في فنها خيط من الاستمرارية يربط جميع الأجزاء في وحدة كونية
كاملة.
عندما صاغت سلوى أساس مفهوم فنها وعندما أضفت عليه وثاقة الصلة العصرية،
كانت تعلم أن فنها لا يمكن أن يكون وصفياً أو خيالياً أو شخصياً في
معناه. ما بحثت عنه بحثاً طويلاً كان التعبير الأسمى لروح الإسلام.
ولقد أدركت أن أسس بنيته يتجذر أساساً من مصدر رياضي يشمل الجبر
والهندسة والمعادلات والحساب. واستناداً إلى هذا الأساس، باشرت في
ابتكار تعبير جديد وعصري وشامل. ففي المجال التجريدي للهندسة واللون
الخالص والشكل المحض، ليس هناك حاجزاً لغوياً أو تفريقاً اجتماعياً
وثقافياَ. ولقد اعتنقت هذه المعرفة كاعتناقها لمعتقد ديني بذات
الابتهاج والشغف الذي يشعر بهما عادة المهتدي إلى ديانة جديدة.
في عام 1948، تسنى لسلوى مشاهدة مجموعة لوحات تخص هنري سيريك عالم
الآثار الذي كان يعيش في بيروت آنذاك. وتلك كانت فرصتها للتعرف على
لوحات زيتية رسمها الفنانون بيكاسو، براك، ماتيس، ميرو ورواد فرنسيين
آخرين في الفن الحديث. في وقت لاحق من ذلك العام، سافرت سلوى لزيارة
باريس وهناك ولأول مرة، رأت أمثلة على الفن التجريدي غير الموضوعي.
وعندها أصبحت أكثر اعتقاداً من أي وقت مضى بصحة عملها الفني، وراحت
تكتشف كل ما كان لباريس أن تقدمه في الفنون، ومن ثمَّ قررت أن تبقى
هناك. الزيارة التي كان مفروض أن تدوم شهراً واحداً فقط امتدت إلى
إقامة طالت ثلاث سنوات ونصف السنة. ولم تقلق أنه كان هناك شاباً
ينتظرها في بيروت، إذ قالت لنفسها "عليه أن ينتظرني". وراحت تبعث له
بالوعود المطمئنة بأنهما سيتزوجان فور رجوعها.
بعد برمجة طرقها الخاصة للدراسة، بدأت سلوى تلتحق باستديوهات الفن
الحرة في باريس، بحثاً عن المعرفة وتطويراً للمهارات التي كانت تحتاجها
للوصول إلى تعبير تصويري أصيل لمفاهيمها. ومارست تخطيط ورسم الأجسام
العارية بطريقة واقعية لفترة قصيرة من الزمن، لكن سريعاً ما أدركت
تفاهة هذا النوع من الفن بالنسبة لها. ومع ذلك، فإن تفسيرها للعري كان
مختلفاً جداً عن العادة وبسبب اهتمامها الشديد بعناصر الشكل المجرد
وبخيالها الخصب، استطاعت أن تضفي واقعاً جديداً على هذا الفن التصويري
التقليدي.
أفضل خبرة قيمة اكتسبتها سلوى في باريس كان اشتراكها في استديو الفن
التجريدي، وهو مشغل نشيط للفن الطليعي، حيث تطوعت كمساعدة للمدير. هناك
أصبحت أسماء مثل دي لونيه، كنديسكي، فاساريلي، دوشان ومودريان جزءاً لا
يتجزأ من لغتها اليومية. وبينما ساعدت في تحضير الشرائح الفوتوغرافية
المنزلقة لرسوماتهم التجريدية لعرضها أمام طلاب الأستديو، أصبحت
أعمالهم وأعمال الفنانين أمثالهم جزءاً من لغتها الفنية اليومية. "هذه
السنوات كانت رائعة بالنسبة لي" تقول سلوى متذكرة. "العديد من أصدقائي
الفنانين كانوا أيضاً مهتمين في الفن الهندسي، وكنا نمضي الأمسيات معاً
نتبادل الأفكار أو نحضر المعارض والمحاضرات والحفلات الموسيقية
والمسارح التجريبية والأفلام. ما زلت أتذكر حتى اليوم فيلماً من هذه
الأفلام. لم يكن يحتوي على قصة أو حوار، بل كان مؤلفاً فقط من ضوء ملون
بقي يومض ثم يخبو على الشاشة مثل نغمات موسيقية إيقاعية."
في صيف 1949، قامت سلوى برحلة إلى المواقع الفنية في إيطاليا. فسافرت
من ميلانو جنوباً إلى جينوا، وتوقفت في فيرونا وآسيسي ورافينا
والبندقية وفلورنس وروما، ودونت ملاحظات عن كل ما رأته، ودرست وقارنت
فن وهندسة كل مدينة مع الفن الإسلامي. وعند رجوعها إلى باريس، استمرت
في عملها على الرسومات الهندسية، وبحلول عام 1951، كانت قد أنتجت عدداً
من الأعمال الفنية التي كانت تعتقد بقوة أنها تستحق العرض. وبعد القيام
بجولة على صالات العرض الباريسية، وجدت الجواب التي كانت تبحث عنه في
شخص كوليت ألندي، صاحبة صالة عرض متخصصة في الفن التجريدي. انبهرت
ألندي بإبداع وقوة رسومات سلوى وقررت أن تعرضها في آنٍ واحد مع أعمال
عدة فنانين فرنسيين مشهورين كانت تعرضها في ذلك الحين. وفي كتابته عن
العرض، ذكر الناقد الفني لمجلة Art d'Aujourd'hui الفرنسية أعمال سلوى
الفنية بصورة خاصة. وقارن أشكالها الجريئة بأشكال "قاطع الأحجار"،
كاتباً بأن جدران صالة عرض ألندي على وشك الانفجار من قوة اللوحات
المعلقة عليها هذا الأسبوع."
غير أن ترحيب وتصفيق النقاد لم يضمنان نجاح المبيعات، وكانت مدَّخرات
سلوى آنذاك قد تلاشت كلياً. وكان هناك أيضاً شاباً نافذ الصبر ينتظرها
في بيروت. وللأسف، كان على سلوى مغادرة باريس. وقد علقت في السنوات
اللاحقة على خطوتها تلك بالقول "رجوعي إلى لبنان كان خطأ لم أدركه حتى
بدء الستينات. وحصل ذلك عندما رأى فنانون ونقاد أجانب كانوا آنذاك في
لبنان منحوتاتي في معرض الخريف في متحف إبراهيم سرسق وطلبوا مني زيارة
الاستديو. كانوا ينظرون إلى حجم إنتاجي الفني وأبعاده ككل ويتساءلون
فوراً عن سبب رجوعي إلى لبنان، ولماذا عوضاً عن ذلك لم أكن أعمل في
باريس أو نيويورك حيث قد تتسنى لي فرصة اكتساب المزيد من الشهرة. كان
سيزار، الفنان الفرنسي، واحداً من هؤلاء الفنانين. فلقد تأثر كثيراً
بفني وأظن أنه لعب دوراً فعالاً في دعوتي، منذ عام 1970، للاشتراك في
المعرض السنوي "صالون دو ماي" Salon de Mai في باريس."
بعد زواجها عام 1953، استقرت سلوى على نمط حياتي مختلف. ومثل أي امرأة
أخرى، وفت بواجباتها كزوجة وأم وقبلت بالاقتحام الذي طرأ على حياتها
ووقتها عبر السنين، لكنها لم تنقص ولا للحظة من التزامها الكلي بفنها.
ففي أوائل 1960، بعد أن عملت لسنوات في غرفة صغيرة وضيقة، انتقلت إلى
استديو أوسع بكثير في العلية الفسيحة لفيلا تقع في شارع الصيداني في
بيروت التي كانت وما زالت منزلها حتى اليوم. إنها باردة في الشتاء
وحارة في الصيف وتتسرب المياه أحياناً من سقفها عندما يمطر، ولكنها
توفر لها المكان الفسيح الثمين التي هي بحاجة إليه. كانت تلك مملكتها
الخاصة حيث كانت تعزل نفسها كل يوم طوال العقود الماضية مستغلة ما
استطاعت من الوقت وغالباً ما كانت تعمل في الساعات المتأخرة من الليل
عندما كانت تشعر بأنها "في غاية الحرية ومنغلقة عن العالم."
خلال الخمسينات، بدأت سلوى بتطبيق مفاهيمها على مجموعة من المواد. لقد
صممت الرسوم والصور للحياكة على السجاد على أيدي النساء الحرفيات في
القرى تحت إشرافها. وكذلك استكشفت تقنيات الطلاء بالمينا وصياغة
المجوهرات الفضية والذهبية التي كانت قد تعرفت عليها خلال فترة دراستها
في مشاغل الولايات المتحدة عام 1956. ولكن بصورة أهم، بدأت في عام 1957
النحت في الطين. ففي ذلك الحين، كرست سلوى نفسها كلياً للنحت.
وبينما كانت المواد التي تعمل بها سلوى تتغير، بقت المفاهيم التجريدية
الأساسية التي ألهبت خيالها أصلاً على ما كانت عليه. فالصفة الأكثر
بروزاً في فنها هي أن كل قطعة أنتجتها – سواء كانت الرسومات أو الحياكة
على السجاد أو المجوهرات أو الخزفيات والنحت – تعكس ميزة روحية راسخة،
وكل واحدة منها تحتفظ بطابعها الفردي الخاص، وتتواجد "كإلهام" فريد "للموجة"
الأبدية الوحيدة التي تشكل معتقدها الفني.
وبرهن معرضها في قصر الأونيسكو في بيروت عام 1962 أنه أقيم أكثر لإشباع
رغبتها الشخصية مما كان لإرضاء للجمهور. فلعشر سنوات تقريباً، أنتجت
سلوى قطعاً فنية من النحت الواحدة تِلوَ الأخرى ووضعتها جانباً. لقد
وقفت هذه القطع هناك مصفوفة على الرفوف ومحشورة في دهاليز فيلتها
القديمة وزواياها المظلمة. فهي لم تراها جميعاً في تسلسلها المتصل
الكلي. وقاعة الأونيسكو احتوت عليها جميعاً، في مساحة واسعة وضوء سخي:
الرسومات القديمة والأقمشة التي حيكت يدوياً وألوان الصوف والمينا
الملمعة والمجوهرات الفضية والذهبية والمنحوتات الفخارية والحجرية
والخشبية، والزجاجية والمعدنية. كانت تذهب هناك يومياً لتشبع عينيها
المحرومتين من عظمة هذا العرض وببهجة طفلة صغيرة تكتشف كنوزها الضائعة.
حظي المعرض على تغطية إعلامية واسعة النطاق. "لكن مع ذلك، كانت
المقالات مضحكة" تتذكر سلوى. "لم يستطع النقاد التفريق حقاً بين
الانطباعية، والتكعيبية والتجريد، ومجدداً وصف معظمهم إنتاجي بأنه عمل
زخرفي. لقد أخفقوا في رؤية الخيط المشترك الذي يربط أعمالي ككل. ولكن،
أخيراً، ولأول مرة في حياتي، بعت شيئاً – لا أي من الرسومات أو
المنحوتات، لكن بعض القطع العملية: سجادة وبعض المجوهرات."
وكان من الواضح جداً منذ البداية أن عناصر التصميم التجريدية التي
ارتكز عليها فن سلوى هي: الشكل المغلق، وهندسية السطر والقوس، وتكرار
الوحدات، والدينامية الحيزية الداخلية وقطبية الانفصال والانسجام. فكل
من هذه العناصر هو عربي إسلامي من حيث أصله المعنوي.
يتميز الشكل المغلق بمنع تام لانتشار دينامية شيء محسوس أو صورة ضمن
حيز داخلي معين، مقابل الشكل المفتوح الذي يتميز به معظم الفن الغربي
حيث يدخل الشيء المحسوس أو الصورة حيز ما وينشط بواسطة المكان المحيط
به. الشكل المغلق هو تعبير مادي عن استبطان سليم للأفكار وعن طاقة
روحية داخلية. قد يراه الفرد ظاهراً في الهندسة الإسلامية – في جوامعه
المقببة ومساكنه المركزة وحدائقه الداخلية غير المسوَّرة.
في منحوتاتها الأولى المسماة "مسار الخط" والتي أنتجتها في أواخر
الخمسينات، جمعت سلوى الخط المستقيم والقوس في أشكال بسيطة تتحرك بقوة
إيقاعية صاعدة ونازلة في الحجم الكثيف العمودي حيث هي مطمورة. وفي
تعريف لاحق لموضوع المسار، تصنف سلوى الحركة العمودية كارتباط بين
الطاقة السلبية والإيجابية، حيث تخترق السطور والأقواس الحجم المنحوت
لتنشئ حواراً محدوداً ثلاثي الأبعاد بين الشكل الجامد والمكان.
وفي مقابلة شاملة نشرتها جريدة "النهار" اللبنانية عام 1998 في ثلاثة
أقسام متسلسلة، شرحت سلوى سحرها بالزيح إلى ما بعد شكله التقليدي قائلة
"الدائرة بالنسبة لي توقفت بأن تكون مستديرة." ثم أضافت "هل تأملت مرة
مستديرات العجين في الصينية؟ وكيف بتأثير الخميرة تعرف التصارع بالكبر
بين قطع العجين. كل واحدة تكبر بحسب قوتها. فتتحول القطع إلى مربعات
ومخمسات ومسدسات. هذه تريد أن تكبر وهذه تريد أن تكبر. في نتيجة الأمر
يتحول قوس العجينة إلى زيح جالس. الدائرة لم تعد توحي لي بأشياء كثيرة،
صار يهمني الخط الجالس. صار عندي هوس بالخط الجالس."
لحقت بسلسلة "مسار الخط" مجموعة مسماة "داخل الشكل" وهي المربع المستقل
أو المكعبات المتداخلة المستطيلة ، والدوائر المتداخلة المتكررة ،
والكرى المتداخلة ، والقناطر والمعابد الشامخة. وصفت سلوى هذه المجموعة
"للنهار" قائلة: "أردت رؤية ما في داخل المنحوتة، أي من برا إلى جوا.
أنظر إلى هذا المكعب، إنه من برا مجرد مكعب، وكل شيء تشكيلي يقع في
داخله."
في أوائل الستينات، أدخلت سلوى عناصر التكرار والانفصال والتوحيد
لإنتاج منحوتات تمثل أسلوبها الإبداعي الشخصي أكثر من أي من المنحوتات
الأخرى التي سبقتها. الفكرة بسيطة: وحدات مستقلة ومترابطة تكون مكدسة
أو متشاب |